وثائق الإنترنت والرواية التاريخية

ليلى الأطرش: أتاحت لي الوثائق المتوافرة على الإنترنت والصور القديمة نهاية القرن التاسع عشر، رسم صورة للقدس بداية القرن العشرين.


يحيى مختار يعترف: أعاقتني النوبية عن سرعة التقدم في العربية


"مرافئ الوهم" أول رواية عربية تأخذ شكل برنامج تلفزيوني يصور في لندن، من لحظة الإعداد له وحتى اكتماله


صلتى الأولى بعالم القراءة كانت بعيداً عن الكتب المدرسية من خلال جريدة "الأهرام" و"المختار"


رواية "مرافئ الوهم" تطرح قضية المحلل بعد الطلاق البائن بينونة كبرى من وجهة نظر المرأة

تؤكد الكاتبة الأردنية ليلى الأطرش أن وسائل التواصل الاجتماعي غدت من الضرورات الحياتية اليومية، فمنذ دخول الإنسان ثورة الاتصال العالمية ظهرت سلسلة من التطبيقات العملية في تكنولوجيا المعلومات شكلت أساليب حديثة في الحياة الفكرية والعملية، بل والعلاقات الدولية. والأدب انعكاس لهذه الثورة، وبصورة خاصة في تقنيات الرواية العالمية، وإلى حد ما العربية.
وقالت في شهادتها الأدبية بالجلسة التي ترأسها الكاتب السعودي يوسف المحيميد ضمن فعاليات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي "الرواية في عصر المعلومات": لعل من أبرز التطبيقات هو مشروع "غوتنبرغ" الذي يستطيع المرء من خلاله الحصول على نسخ "وورد" إلكترونية لمئات الآلاف من الأعمال الفكرية والأدبية عبر التاريخ، ويلجأ الكتّاب إلى ترويج كتبهم أو نشر مؤلفاتهم على مواقع إلكترونية خاصة بهم.
وأضافت: لم أبتعد كثيرًا في تجربتي الروائية عن استغلال التواصل الاجتماعي والإعلام تحديدًا، فكانت "مرافئ الوهم" دار الآداب 2005 أول رواية عربية تأخذ شكل برنامج تلفزيوني يصور في لندن، من لحظة الإعداد له وحتى اكتماله، ولأول مرة تطرح الرواية قضية المحلل بعد الطلاق البائن بينونة كبرى من وجهة نظر المرأة. 

Cairo forum for creative fiction

وفي روايتها "رغبات ذاك الخريف 2008"، (الدار العربية للعلوم، ومكتبة الأسرة بالأردن)، يتحاور شاب وفتاة من خلال الشات بينما يختفي كل منهما خلف شخصية وهمية. النادل الذي يعيش في مخيم والفتاة الثرية، كما ربطت وسائل الاتصال الكوافير الأردني في فرنسا مع طالب علم الجينات في أميركا، وكلاهما تخلى عن حلمه وتحول إلى تاجر للبيوت القديمة يرممها ويبيعها، وعبر سكايب يلتقيان في عمان في أحد الفنادق التي فجرها الإرهاب.
أما في "ترانيم الغواية" رواية القدس 2015 فتقول عنها ليلى الأطرش: أتاحت لي الوثائق المتوافرة على الإنترنت والصور القديمة نهاية القرن التاسع عشر، رسم صورة للقدس بداية القرن العشرين، أما سهولة الدخول إلى الأرشيف العثماني ووثائق القدس فصحح كثيرًا من المعلومات التاريخية، وكشف كثيرًا من المسكوت عنه، طبعًا إضافة إلى إقامتي في المدينة وقراءة عشرات المراجع والمذكرات الشخصية ومقابلة كبار السن.
ومن القدس إلى النوبة وشهادة الكاتب المصري يحيى مختار التي جاءت بعنوان "النوبة هي الجنينة والشباك" حيث يقول: "الجنينة والشباك" بالنوبة القديمة هي قريتي التي ولدت فيها عام 1936 بعد ثلاث سنوات من التعلية الثانية لخزان أسوان، والذي اختزل مواسم العمل في الأرض إلى موسم واحد من ثلاثة شهور، فكان على الذين بقوا في القرى بعد هجرة القادرين على الكسب إلى الشمال، أن يملأوا الشهور التسعة بالغناء والرقص وإقامة موالد أولياء الله الصالحين "سيدي كبير"، و"الشيخ عبدالله"، و"سيدي حسن أبوجلابية"، وينشدون "السفين" في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يحكي العجائز الحكاوي حول الكوانين وعلى المصاطب، وكان على النساء والفتيات أن يغزلن الخوص أبراشا وأطباقا ملونة، ويزين الدور بالرسوم والزخارف يستوحين فيها جداريات المعابد والكنائس القديمة، ويلصقن على جدران الواجهات أطباق الصيني المزركشة.

ويتذكر يحيى مختار أنه جاء إلى القاهرة سنة 1943 في صحبة والدته للحاق بوالده الذي كان مقيما في حي العرب بالمعادي جنوب القاهرة، ويقول: جئت محملا برؤى ذلك العالم الجميل: النهر النوبي بعظمته وكبريائه واندفاعه. غابات أشجار السنط على الشاطئ الريان، وأدغال النخيل الكثيفة بعراجين البلح كالثريات، أو كشخوص غرقى يرفعون أيديهم طلبا للنجدة عندما ترتفع مياه النهر وقت الدميرة (الفيضان) وبعدها .. المركب السابحة كالإوز في النيل بأشرعتها البيضاء، وعلى صواريها الأعلام الصغيرة الملونة والجلاجل النحاسية بصلصلاتها مع ريح الجنوب الواهنة، الدور المتناثرة في كل نجع بألوانها الزاهية، ورسوماتها البديعة تقف مزهوة على طول الشاطئ الآخر البعيد تحملها مياه النهر الساجي. هناك.. كان الكون كله في ديمومة تسبيح وصلاة.
جئت حي العرب ولم أكن أعرف كلمة واحدة عربية. كانت غربة لغة ومكان هذا هو "بر مصر" عالم غريب مختلف تماماً ومغاير لكل ماعشته: ضجيج وزحام .. عمائر شاهقة وسيارات مسرعة تنفث دخاناً كثيفاً، وعربات ترام تصدر صريراً عالياً مرعباً، وكارو وحناطير ودراجات .. دنيا مفزعة ومخيفة، بشر مختلفو السحن والملابس يتحركون لا تعرف مقاصدهم وفيم يسرعون ويزعقون، أسقطت في هوة من البلبال والتوجس والخوف والوحدة. أي حصار كان؟ بدا الأمر بمثابة زلزال. 
ويعترف مختار أن الأمر كان مربكاً له، ويقول: إنني في البيت مع والدتي ووالدي وأقاربي نتحدث طوال النهار النوبية، وفي الشارع بالعربية العامية وفي المدرسة بالفصحى، وظلت هذه العوالم المختلفة متجاورة ومتعايشة.

Cairo forum for creative fiction
تجربة مثيرة

حقيقة أعاقتني النوبية عن سرعة التقدم في العربية، وإن جعلتني احتفظ في أعماقي بعالمي القديم وإيقاع الحياة فيه، ومغذيا وجداني من العلاقة الموصولة بالأهل في قرانا في الجنوب وفي تجمعاتنا في الشمال من خلال الجمعيات والمقاهي النوبية وباقي المناسبات من أعياد أو أفراح ومآتم.
وعن صلته بعالم القراءة يقول يحيى مختار: كانت صلتى الأولى بعالم القراءة بعيداً عن الكتب المدرسية من خلال جريدة "الأهرام" و"المختار" من الريدرز دايجست" كان أبي مواظبا على قراءتهما، وكان يختبر مدى تقدمى في الدراسة وتعلم العربية بأن اقرأ له الجريدة وفقرات مما هو منشور في مجلة "المختار". كنت أقرأ دون أن أفهم كثيرا مما اقرأ، فمثلا لم أكن أستطيع التفرقة بين كلمة "أعداء" و"أعضاء" وكانت محاولة الفهم هي التحدى الثاني، فهم الواقع الجديد الذى أعيشه ولا أعرف عمق دروبه، وكذلك فهم العالم الواسع الذي تفتح نوافذه أمامي. 
ويتذكر مختار: في المدرسة وقعت لى تجربة مثيرة، مدرس اللغة العربية كان قد أعد كراسة "التحضير" الخاصة به على شكل كتاب مطبوع بغلاف ملون جميل تحت عنوان "التعبير الحديث" ووزعه علينا مقابل خمسة قروش. هذا التحول المثير العجيب لكراسة تتحول إلى كتاب مطبوع متعدد النسخ يحمل اسم الأستاذ عبدالباسط بركات، وهذا الاسم الذي أراه مجرداً ومطبوعاَ، بدا لى ككل الأسماء التي اقرأها على باقي الكتب المدرسية وعلى صفحات الأهرام والمختار، هذا الاسم يتجسد دونهم جميعاً في عبدالباسط بركات الذي أراه وأعرفه، وأنا لم أر الأخرين ولا أعرفهم ولكنهم يأتون إلي من خلال كتبهم، بدا لى الأمر أشبه بالسحر، تكون لدى رغبة قوية  وعارمة لأن أضع أنا أيضاً كتاباً.