'ورد وفل وياسمين' يُزهر في يدي صبا مبارك
القاهرة ـ وقفت الفنانة صبا مبارك في قلب مسلسل 'ورد على فل وياسمين' لتُقدّم تجربة أدائية تستدعي المتابعة والتأمل، وعبر خمس عشرة حلقة، تحمل على عاتقها عملاً يستمد طاقته الدرامية من فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أبعادها الإنسانية والاجتماعية.
وبدأ المسلسل بتلك اللحظة الصغيرة التي يتبادل فيها هاتفان بالخطأ بين شخصين لا يجمعهما شيء، ولا يلتقيان في أي فضاء مشترك.
ووجدت صبا مبارك نفسها في مواجهة هذا الموقف العابر الذي لا يلبث أن يتحول إلى مفترق طرق حقيقي، قلب موازين حياة شخصيتها رأسا على عقب، وفتح أمامها أبوابا لم تكن لتطرقها في حياتها الاعتيادية.
وتُدرك الفنانة المخضرمة كيف تستثمر هذه اللحظة التأسيسية دراميا، فجسدت الدهشة والتردد ثم الانجذاب التدريجي بتلقائية وجعلت المشاهد يُصدّق كل خطوة تخطوها شخصيتها نحو المجهول.
تنتمي الشخصية التي تؤدّيها صبا مبارك إلى بيئة اجتماعية بعينها، بينما ينحدر الطرف الآخر من عالم مغاير تماماً في قيمه وتجاربه وطريقة تعاطيه مع الحياة.
وشكلت هذه المسافة بين العالمين الأرضَ الخصبة التي زرعت فيها صبا أدقّ تفاصيل شخصيتها، إذ عبّرت عن التوتر الداخلي الناجم عن هذا التقاطع غير المتوقع بأدوات جسدية وصوتية كشفت عن نضجها الفني الحقيقي.
وتجلت براعتها في كيفية تصوير تحوّل شخصيتها من الرفض إلى الفضول، ومن الفضول إلى شيء أعمق وأكثر تعقيدا لا تجد له تفسيراً سهلاً.
ولم تكتف أحداث المسلسل بتقديم عقبات رومانسية كلاسيكية، بل ألقت بشخصية صبا في مواجهة منظومة كاملة من الضغوط الاجتماعية والإنسانية التي تُشكّك في قدرة الفرد على تجاوز ما رسمه المجتمع من حدود وتوقعات.
وتحملت صبا مبارك ثقل هذه اللحظات بأريحية لافتة، فحوّلت كل عقبة إلى فرصة للكشف عن طبقة جديدة في شخصيتها، وتمنح المشاهد متعة مضاعفة حين يتابع كيف تتعامل مع الضغط دون أن تنكسر.
وشاركها في البطولة كل من أحمد عبدالوهاب وفدوى عابد وهديل حسن وسلوى محمد علي وميمي جمال وإسماعيل فرغلي، وشكّلت هذه التشكيلة الفنية سندا حقيقيا لأداء صبا، إذ منحتها شركاء مؤهّلين يرتفعون إلى مستواها في كل مشهد. وحين تواجه صبا ممثلةً من وزن ميمي جمال أو إسماعيل فرغلي، تتولّد تلك الكيمياء الأدائية التي لا يصنعها إلا الاحتكاك بين موهبتين حقيقيتين.
وتولى محمود عبدالتواب مهمة الإخراج، ويبدو أنه يُدرك جيدا ما تملكه صبا مبارك من طاقة أدائية، فمنحها المساحة الكافية للتعبير دون إفراط في التوجيه. وصنع بينهما جسرا من الثقة يظهر أثره في تلك اللحظات الصامتة التي تقول فيها صبا بعيونها ما يعجز الحوار عن قوله.
كما أحكم عمرو سمير عاطف ووائل حمدي نسيج السيناريو حول شخصيتها الرئيسية، فكتبا لها مواقف تستدعي تنويع المقاربة الأدائية بين الكوميديا الخفيفة والدراما الإنسانية الصادقة.
وفي زمن تتسابق فيه المسلسلات على تمديد حلقاتها، اختارت صبا مبارك عملا يُؤمن بقيمة الاختصار والتكثيف. واستثمرت كل حلقة بأقصى ما تمنحه من إمكانيات، فلم تُبدّد طاقتها الأدائية في مشاهد حشو، بل راكمت التفاصيل الصغيرة لتبني شخصية تنمو أمام عيني المشاهد وتتطور في كل منعطف جديد.
ويُمثّل 'ورد فل وياسمين' محطة جديدة في مسيرة صبا مبارك الفنية الحافلة، ويُؤكد مرة أخرى أنها فنانة تملك تلك النادرة بين الممثلين: القدرة على جعلك تنسى أنك 'تشاهد أداءً، وتُوهمك أنك تراقب حياة إنسانة حقيقية تتعثر وتنهض وتحلم وتُقاوم.