يانغ كه شاعر الشعب الصيني

يانغ كه من شعراء الصف الأول والجيل الثالث في الصين كتب العديد من القصائد التي تتناول حب الوطن ووصف الطبقة الدنيا من الشعب، وتعتبر الكتابة الحضرية من السمات البارزة له.



ميرا أحمد تترجم لأول مرة للعربية مختارات من أعمال يانغ كه


ادراج قصائد يانغ كه ضمن مختارات الشعر الصيني الحديث


الشاعر الصيني كشف عبر شعره عيوب المجتمع الحضري


عدم اقتصار كتابات كه الشعرية عند حدود وطنه وشعبه، بل تجاوز خياله إلى الخارج

يعد الشاعر يانغ كه من شعراء الصف الأول والجيل الثالث في الصين، يمتلك خيالا تاريخيا فريدا، وقد فتحت كتاباته الشعرية في المناطق الحضرية الصينية آفاقا شعرية جديدة. ومنذ ثلاثين عاما سلك شعره دربا مغايرا راحت تدعمه مشاعر عميقة وتقاليد راسخة الجذور، مما جعله دائما في مقدمة صفوف الشعراء الصينيين. ولأول مرة في العربية تترجم له ميرا أحمد مختارات من أعماله ضمت أربعين قصيدة تشكل نماذج من مسيرته الممتدة منذ ثمانينات القرن الماضي. 
صدرت المختارات بعنوان "رأيت بلادي في حبة الرمان" وذلك عن دار غراب للنشر، وقد تعددت موضوعات قصائدها لتشكل بستانا من الزهور لشاعر الشعب أهم شعراء الجنوب الصيني، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق. حيث قدم يانغ كه خلال مسيرته أكثر من إحدى عشرة مجموعة شعرية وبعض المقالات النثرية. أُدرجت قصائده ضمن مختارات الشعر الصيني الحديث (1976 -2000)، ومائة عام من الشعر الصيني الحديث، ونهج الشعر الصيني الحديث. ونشرت دور النشر في جامعات في اليابان وإسبانيا ورومانيا وكوريا الجنوبية ومنغوليا بعض الدواوين المترجمة له مثل "مختارات يانغ كه " و"نصفين من تفاحة الأرض" وغيرها من الأعمال الشعرية.
يشغل كه الآن منصب رئيس لجنة الشعر الصيني، وعضو في هيئة رئاسة اتحاد الكتاب الصينيين، ونائب رئيس اتحاد كتاب قوانغدونغ، ومدير مركز الكتابة الإبداعية في جامعة قوانغدونغ، ورئيس تحرير مجلة "الأعمال الأدبية"، وباحث في معهد بحوث الشعر في جامعة بكين، وغيرها من المناصب الأخرى.

باعتبار يانغ كه من أوائل الشعراء الذين اهتموا بالثقافة التجارية، فقد كانت قوانغتشو مادة خصبة وغنية لكتاباته 

 وقد حصل على العديد من الجوائز الأدبية الرفيعة منها جائزة لوشون الأدبية في دورتها الثامنة في قوانغتشو وجائزة كامبريدج شو تشي للشعر وجائزة الشاعر المتميز عن مؤسسة حقوق النشر الرومانية وجائزة الكتاب الشباب في دورتها الثانية في قوانغشي، وجائزة الإبداع في أدب الشباب وغيرها من الجوائز الأدبية الرفيعة الأخرى.
تقول المترجمة ميرا أحمد في تقديمها "حينما تقرأ شعر يانغ كه تشعر أن العالم من حولك رحب جدًا.. عالم لا متناهي يحوي أشياء من وراء العقل والخيال. تشعر أن الأشياء لا هي الأشياء ذاتها.. ولا الأشخاص هم الأشخاص ذاتهم.. والقلوب لا هي القلوب ذاتها.. يمتلك ألف عقل وعقل وألف قلب وقلب. شاعر صاحب تجربة شعرية ذات طراز خاص لا أحد يشبهه ولا هو يشبه أحدا. يأخذك في رحلة عبر العالم تحلق معه عاليا على حدود السماوات وفجأة تهبط إلى أرض الواقع وتجوب معه واحات خضراء ودروب من ثلج ونار. تسبح فوق غيمات فضية وتسبح في بحور فيروزية. لا ينظر للأشياء كما ننظر لها نحن، بل يمتلك عينين ثاقبتين تخترق الأشياء لتفض أسرارها. أمام قلمه تتكشف الخبايا والحكايات وتظهر رؤى وصور متوارية. تخور القوى على أوراقه وتُبعث فوقها الذكريات من جديد".

وتضيف "دائمًا ما يكون شعر يانغ كه أحد العناوين المهمة في الاحتفالات الشعرية في الداخل والخارج. فقد تناولت العديد من قصائده وصف مدينة قوانغتشو والثقافة والحضارة والتغيرات التاريخية، ولم يتوقف منذ البداية عن سبر أغوار نفسه وعالمه الداخلي في الكتابة الشعرية.. في عام 1991 جاء يانغ كه من نانينغ في قوانغشي إلى قوانغتشو وبدأ تجربة الكتابة الشعرية الحضرية الحديثة وكتب عدة قصائد مثل "نزهة وسط المتاجر"، و"قوانغتشو"، و"محطة القطار"، و"ميدان تيانخه". ولعشر سنوات من الاستكشاف الشعري ربط بين الطبيعة المادية الحضرية والشعر الحضري، ودفع بهذا النمط الشعري إلى الأمام. 
وتوضح ميرا أحمد "باعتبار يانغ كه من أوائل الشعراء الذين اهتموا بالثقافة التجارية، فقد كانت قوانغتشو مادة خصبة وغنية لكتاباته. وقد أعرب في حوار له أن قوانغتشو هو المكان الأقرب إلى قلبه ولا ينتوي الانتقال منه، حيث عاش فترة في بكين لكن من وجهة نظره يرى أن بكين مدينة أكاديمية.

يانغ انفتح على الثقافات الغربية الأخرى

يعد يانغ كه ممثل لشعراء الجيل الثالث والكتابات الشعبية، كتب العديد من القصائد التي تتناول حب الوطن ووصف الشعب وكتب قصيدة بعنوان "الشعب" من ثلاثة أجزاء تصف الطبقة الدنيا من الشعب وتجسد معاناتهم حتى وصفه أحد النقاد بأنه "شاعر الشعب". وتجلى هذا في قصائد عديدة مثل "رأيت بلادي في حبة الرمان"، و"الشعب"، و"عن التبت حدثني صديقي" و"بحيرة الحب"، و"النهر الخالد"، وغيرها من القصائد الأخرى. 
ويرى يانغ كه أنه "بغض النظر عن التيار الشعري الذي يمثله الشاعر، تقع على عاتقه مسئولية التعبير عن نفسه قدر الإمكان". لذا يعتبر الشعراء بما فيهم النقاد أن كه هو أكثر الشعراء تفردا في الكتابة الحضرية. وأصبحت كتاباته الشعرية جزءا هاما في المواقف الشعبية. وتعتبر تحولاته الشعرية طبيعية وتلقائية، فنجده يتحول من الصور إلى اللغة ومن الريف إلى المدينة ومن السياسة إلى الإنسانية ومن الكآبة إلى الصخب ومن التحيز إلى النقد.
وتوضح ميرا أحمد أن الكتابة الحضرية تعد من السمات البارزة للشاعر يانغ كه. وهي كتابة ترتكز على أجواء المدينة الصاخبة والزائفة وغموضها وأوهامها والضجيج المشتعل وروح المدينة التي لا تنام، ورصد الموضات العصرية: أجواء المدينة والأصوات والألوان والظلال وكل شىء يسترعى الانتباهه. لذا فإن تجربة كه تستنشق روائح المدينة فنجد أن حواسه كلها قد تشبعت بهذه الروائح ويبدأ في تفسير كل زوايها وأركانها بشكل حدسي، حيث كان يرى أن الموضات هي نتاج للمجتمعات الحديثة ولا يمكن أن ينفصل أبناء المدينة عن الموضات العصرية، بل أصبحت دليل ساطع على المجتمعات الحضرية. وهي دليل استهلاكي لأبناء المدن وينبغي أن تتطابق تفاصيل الحياة اليومية للمدينة مع كتابات الشاعر، ومن ثم تحظى المدينة بتحسن روحي عبر الكتابات الشعرية.
وتتابع أن كه أدرك الإيقاع الحقيقي للمدينة ومن ثم تطورت كتاباته من المشاعر العاطفية الأولى إلى النضج العقلاني، واتسمت بقوة تأثيرية كبيرة. وقد دفعت القوة في شعره إلى كشف عيوب ومساوئ المجتمع الحضري وتوجيه الانتقادات له، كاشفا أزمات ومحن أبناء المدينة والأشياء البغيضة التي صارت مثل قيود جبرية.. فكان يقول "على الرغم من أننا نرتدي أزياء عصرية، إلا أن القلب ما زال متعبا، ولاسبيل أمامنا إلا لمواكبة الموجات الاجتماعية الحديثة، فالسعي خلف مواكبة الموضات العصرية، ليس فقط بسبب السعي وراء المتعة، بل من أجل المنافسة الشرسة على البقاء".
وتلفت ميرا أحمد إلى رؤية كه لدور الشاعر، حيث  يرى أن "الشاعر الحقيقي ينبغي أن يتحمل معاناة التحول اللغوي ويحل السرد الشعري محل التأمل للعالم الفوضوي الذي يحيا به. وأن التعقيد لا يعني البلاغة ولا الغموض بل يعني التنوع والتعدد. فالاهتمام بالهيكل الشعري هام جدا حتى يجعل الشعر يخاطب القراء على كافة المستويات. حيث يتسم الأسلوب بالبساطة والتعقيد في آن، وتستشعر العاطفة المستترة خلف الكلمات الهادئة التي تخلو من الضجيج المفتعل".
وتؤكد أن لغة كه الشعرية تتسم بالسلاسة وعدم الغموض أو التعقيد فلا تجده مثلا يتشدق بالألفاظ بل تجد الألفاظ تنساب مثل نهر دافق، وهذا يجعل كتاباته الشعرية مفعمة بالمشاعر وتتجلى بها الروح بدرجة عالية وتصل إلى طبقات متفاوتة من القراء. إن تنوع الموضوعات الشعرية هي الحالة التي التزم بها يانغ كه منذ البداية، لأن النمط الفردي يُفقد الشعر جمالياته، بينما التعدد يحقق الثراء الإبداعي.
وتقول ميرا أحمد أنه برغم أن كتابات كه تتبع أجواء وتفاصيل المدينة الصاخبة وترصد لأساليب الحياة العصرية، إلا أنه حينما يجلس في حضرة الصمت في جوف الليل تتحرك مشاعره في لحظة عارضة وتهدأ أفكاره الثائرة وترتخي روحه. فيرى يانغ كه أن المسافة بين الشعر والروح قريبة جدا. وفي مثل هذه اللحظات الخاصة لا يمكن أن يستغنى الشاعر عن الشعر، فالكلمات لا تحيا بمنأى عن تحقيق سلوى النفس. وقد ظهرت هذه الحالة جلية في قصيدة بعنوان "حالة الشاعر" و"ليلة خرساء" و"ذلك الشتاء" وغيرها من القصائد الأخرى.
وتشير إلى أن كه لم تقف كتاباته الشعرية عند حدود وطنه وشعبه، بل تجاوز خياله السارح إلى الخارج، فقد انفتح على الثقافات الغربية الأخرى وقد تركت في نفسه أثرا بالغا جعلته ينظم الشعر في رموز وأحداث وأشخاص من حضاراتها وثقافاتها. فكتب قصائد بعنوان "نيلسون مانديلا"، و"موزارت في عز الليل"، و"دوار الشمس"، و"الأم تريزا"، وغيرها، وذلك سعيا لإيجاد نقطة تقارب بين كتاباته الخاصة والفضاء الإبداعي العالمي من حوله.