يسري عبدالله يرصد انفتاح الرواية العربية على الفنون والعلوم الإنسانية

الناقد المصري ينطلق من مبدأ أن النقد يجب أن يمارس دورًا مسئولا، بوصفه عطاءً من عطاءات الواقع الرحبة.


الكاتب يختار من الواقع ما يشاء ثم يعيد تشكيل المفردات التي اختارها، ويطوعها وفقا لرؤيته للعالم


التحولات التي شهدتها الرواية العربية بدت أكثر من صدى لجملة التحولات الاجتماعية المربكة

القاهرة ـ من أحمد رجب

يعتبر كتاب "جماليات الرواية العربية… أبنية السرد ورؤية العالم" (دار بدائل – القاهرة) الخطوة الثالثة في المشروع النقدي للأكاديمي المصري يسري عبدالله، بعد كتابيه "الرواية المصرية.. سؤال الحرية ومساءلة الاستبداد"، و"جيل السبعينيات في الرواية المصرية.. إشكاليات الواقع وجماليات السرد".  وهو مشروع يصفه صاحبه بأنه "نقدي منهجي يستجلي الواقع الروائي المصري والعربي، على نحو علمي، يعي ماهية النص الروائي وجمالياته وبنياته المنفتحة على الواقع والعالم والأشياء".
والناقد ينطلق من مبدأ أن النقد يجب أن يمارس دورًا مسئولا، بوصفه عطاءً من عطاءات الواقع الرحبة، ويستخدم في كتابه أدوات التحليل السردي الجديد، مدركًا أنه لا نص ينمو فى الفراغ، وإنما هو ابن لسياقاته السياسية، والثقافية، وبما يؤكد أن ثمة انحيازًا للفني بالأساس.
ويقدم الخطاب النقدي الجديد للنص الروائي إمكانية نظرية لانفتاح مذهل على كافة الفنون والعلوم الإنسانية، وهذا الانفتاح بدا جزءًا من الممارسة الإبداعية ذاتها، غير أن التقنين العلمي للظواهر، والرصد الدال لتجلياتها يستلزم وعيًا بالمنهج والنظرية النقدية ذاتها وتحولاتها، فضلًا عن خبرة جمالية تستكشف ما وراء النص، وتعيد الاعتبار للعناصر الأكثر فنية داخله.

المسافة تنتفي بين الواقعي والمتخيل، ويفضي الفلسفى إلى الفني، فتبدو "البيت الأزرق" مسكونة بحس تأملي صوب العالم، ومشغولة بما هو حر وإنساني

ويرى الناقد أن التحولات التي شهدتها الرواية العربية ربما بدت أكثر من صدى لجملة التحولات الاجتماعية المربكة التي حدثت بدءا من هزيمة الصيف السابع والستين، ثم عقد السبعينيات الذي شهد الانتصار في حرب أكتوبر عام 1973، واتفاقية كامب ديفيد، ثم معاهدة السلام عام 1979، وهيمنة المد الديني، لنصبح أمام عالم يتشكل على أنقاض عالم قديم، وفي ظل ذلك كله ارتفعت وتيرة الهوس الديني وكذلك الأمني، إضافة إلى التحالف بين الفساد والرجعية، وقد حظيت التسعينيات بتحولات أخرى، كان من آثارها ازدياد الفجوة الطبقية إلى الحد الذي أصبحنا فيه أمام استحالة للعيش وبما أفضى إلى الثورة المصرية في العام 2011.
وهكذا تبدو العلاقة بين الرواية والواقع ذات طابع جدلي، فتبدو الرواية في أحد تجلياتها إدراكا جماليا للواقع ومحاولة لاكتناه الداخل الثري فيه، لذا فالروائي يتعاطى مع الواقع بوصفه مادة خام تحمل من الاتساع والتنوع ما في الواقع نفسه من خصوبة واختلاف، ومن ثم فالكاتب يختار من هذا الواقع ما يشاء ثم يعيد تشكيل المفردات التي اختارها، ويطوعها وفقا لرؤيته للعالم.
تجليات القهر
يرصد الناقد حضور القهر كثيمة مركزية في معظم روايات محمد البساطي، ففي "أسوار" بعنوانها الدال، يجعل من السجن فضاء لروايته، وفي "جوع" يرصد الحرمان الاجتماعي الذي يقهر أسرة ريفية، وفي دق الطبول يكون القهر نفسيا،  وهو القهر الذي تعددت صورة في آخر روايتين للكاتب، ففي "غرف للإيجار" تتعدد صور ومستويات القهر، وتتخذ صيغا مختلفة، فالحرمان الجسدي للنساء في الرواية يدفعهن لمحاولة خلق عوامل بديلة، والمكان الروائي بضيقه وحيزه الضاغط على الشخوص يمثل عنوانا مكرسا لنوع من القهر الاجتماعي داخل فضاء الرواية حيث تمثل كل شخصية في الرواية ذاتا مأزومة مسحوقة تحت سنابك الفقر والجوع والمرض، ولم تكن عذاباتها اليومية بعيدة عن سياق سياسي ضاغط رغم انسحابه إلى خلفية المشهد الروائي بوصفه إطارا لحركة الشخوص في عالم مسكون بالقسوة والعتامة. وفي "سريرهما أخضر" يتخذ  القهر منحى سياسيا، حيث يصبح القمع والاستبداد السياسي ممهدا لمشكلات عديدة تطال الأفراد والمجتمعات على حد سواء.
نصوص مراوغة
ويرى الناقد أن إبراهيم عبدالمجيد في روايته "قطط للعام الفائت" قدم نصاً مراوغًا من خلال إيهام القارئ بالمباعدة الفنية بين النص والواقع، كما قدم بناءً رمزيًا متوازيًا ما بين الواقع والفاتنازى، كما عمل على أسطرة الواقع، من خلال العديد من الدلالات، مثل تجمد الثوار فى الميدان، وأسماء الشخصيات المرتبطة بالسلطة. كما ضفّر الروائي مقاطعه السردية بآليات الفنون البصرية المختلفة، وتحديدًا فن السينما، وهناك استفادة كبيرة من آليات فن كتابة السيناريو . 

في النقد الأدبي
بنية سردية تعتمد التشويق الدرامي

ومن الأدب النوبي توقف الكتاب عند أعمال يحيي مختار وانشغاله الدائم بالنوبة فلم يخل عمل له حضورها كمكان وكهوية ثقافية، فالنوبة عنده بمنزلة البؤرة  المركزية في أعماله، تتفرع عنها الأشياء وتتقاطع معها في ذات الوقت، فهي تعبير عن الحلم المستعاد، وعن  الخصوصية الثقافية في إطار وحدة الثقافة الوطنية المصرية. وقد راكم يحيي مختار منجزا مهما تجلى في أربعة مجموعات قصصية وثلاثة روايات تناول الناقد منها روايتيه "تودد: مرثية لقرية الجنينة والشباك"، و"مرافئ الروح"، موضحا كيف مثّل تعبيرا جماليا عن خصوصية ثقافية محددة المعالم، ورصدا فنيا لأحد الروافد المركزية في الثقافة الوطنية المصرية.     

وتوالت الفصول لترسم عبر  مقاربتها لثلاثين نصا روائيا صورة لمشهد روائي عربي حاشد، ولم تتوقف اختيارات الكاتب عند جيل محدد أو عند إبداعات مصرية فقط، بل اتسعت القراءات لأكثر من جيل وأكثر من بلد عربي، فتناول مثلا رواية "بوركيني" لمايا الحاج التي تجدل الخاص بالعام، وتمزج الذاتى بالموضوعي، حيث تنطلق من أزمة بطلتها المركزية، الفنانة التشكيلية التى يجتاحها صراع نفسى يسمى بصراع الإقدام/ الإحجام حيث التردد ما بين الرغبة العارمة في التحرر، والالتزام الداخلي، هذه الأزمة التي تحمل وجوها متعددة فى الرواية، وتطل عبر صيغ مختلفة، تتمحور حول الحرية والالتزام تارة، والفن والمسئولية تارة أخرى، وليس ثمة إجابة قاطعة في النص القلق الذي ينطلق من تيمة المساءلة للذات، ولواقعها المشوه. وتبدو مايا الحاج في "بوركيني" مشغولة بالتناقضات الإنسانية، حيث يصير الأنا هو الآخر، وتبدو الكتابة بحثا أصيلا داخل الذات في سعيها صوب اكتشاف جوهرها الثري، وخلخلة المستقر من الصور والقناعات والأشياء.
أما عبده وازن فقدم  في "البيت الأزرق" بنية سردية تعتمد التشويق الدرامي، حيث تتجادل الحكايتان (الحكاية الإطار والحكاية المركزية)، وتتقاطعان، وينفتح النص معرفيا ودلاليا على جملة من التصورات الفلسفية والوجودية، ويحمل إحالات معرفية يتناص عبرها مع نصوص راسخة في الأدب العالمي، من قبيل الإشارة إلى "آنّا كارينينا" لتولستوي، و"مدام بوفاري" لفلوبير، فضلا عن الحضور الدال المنتج للمعنى لدوستويفسكي. 
كما تنفتح الرواية على الفنون البصرية، وخاصة السينما والمسرح، حيث تستعير عددا من تقنياتهما، بدءا من الحضور الواعد لآليتي الاسترجاع والاستباق في الرواية، ومرورا بتقنية كسر الإيهام المسرحية، ووصولا إلى تقنية المشهدية البصرية التي تعتمدها الرواية في مناطق عديدة. وفيها تنتفي المسافة بين الواقعي والمتخيل، ويفضي الفلسفى إلى الفني، فتبدو "البيت الأزرق" مسكونة بحس تأملي صوب العالم، ومشغولة بما هو حر وإنساني. (وكالة الصحافة العربية)