حماس والسلطة وطاسة الاعمار
تبحث حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عن اعتراف دولي يجعل منها شريكة في صنع السلام ولا تملك وسيلة للوصول إلى ذلك إلا عن طريق الحرب، وهي حرب تتكرر من غير أن تنتهي إلى نتائج ملموسة على صعيد تحقيق أهداف سياسية واضحة إلا إذا اعتبرنا الدمار الذي تتعرض له غزة في حد ذاته هدفا لا يمكن ادراك مغزاه.
محاولات حماس للاحتماء وراء الوضع الإنساني المأساوي الذي يعيشه أهل غزة بعد كل حرب تخرج منها مبتهجة بنصرها العظيم لم تجد نفعا على مستوى تغيير موقف الولايات المتحدة منها باعتبارها منظمة ارهابية. وهو ما يضع النصر الذي خلف دمارا واسعا في غزة ومزيدا من الضحايا الأبرياء على كفة ميزان غير عادل.
من المؤكد أن قياديي حماس لا يفكرون في الاعتذار من الشعب الفلسطيني بشكل عام وشعب غزة بشكل خاص. وهم لا يفكرون في القتلى إلا باعتبارهم مسافرين على خطوطها الجوية إلى الجنة. هناك جزء فائض من الشعب ينبغي التضحية به من أجل الخروج من الانفاق إلى قاعات الاعتراف العالمي. ذلك ما يجعل المسافة بين حماس والعالم تزداد بعداً.
لقد تحول الفلسطينيون ومنذ أن انفردت حماس بحكم غزة مستقلة بقرارها إلى تروس بشرية من الصعب النظر إلى حاجاتهم الإنسانية إلا حين تفتح إسرائيل أبواب جحيمها في الفصل الأول من مسرحية يجري الاعداد لها مسبقا بالاتفاق مع أطراف اقليمية وعالمية. مسرحية بثلاثة فصول. حرب وهدنة واعمار. لكل فصل من تلك الفصول الثلاثة شروط عمله وتصريحاته وامتيازاته التي تحرص حركة حماس على ضبط ايقاعها بما يتناسب مع مصالحها ومصالح القوى الاقليمية التي تقف وراءها وتمولها.
ما أن أسدل الستار على فصلي الحرب والهدنة حتى بدأت حماس بالمطالبة برفع الستار عن الفصل الثالث الخاص بالإعمار. وإذا ما كانت متحمسة للحرب والهدنة من بعدها فإن حماستها لقبض أموال الاعمار هي الأكبر وكأنها ترغب في أن تفرض على المؤلف والمخرج أن يوسعا من دورها في الفصل الثالث وهو فصل الحصاد الذي ترغب فيه أن يُنظر إليها باعتبارها المستثمر الرئيس في شراكة ستتمكن أطراف فلسطينية أخرى من الاستفادة منها وهو ما يوجب على تلك الأطراف أن تكون ممتنة لحماس لأنها جلبت لها أموالا لم تكن في الحسبان.
وكما هو واضح فإن السلطة الفلسطينية في رام الله تخطط أن تكون هي الطرف الأكثر استفادة من أموال الاعمار. فهي على يقين من أن المجتمع الدولي الذي يعترف بها ممثلة لوهم الدولة الفلسطينية المؤجلة لن يستغني عن شراكتها طرفا محليا. لذلك فإن جزءا من الأموال التي سيتم تحصيلها من المتبرعين سيذهب إلى الحسابات المصرفية لقياديي السلطة بدلا من أن يدخل في حسابات قياديي حماس. تلك فكرة لدراما ناقصة يجري الاعداد لها فلسطينيا من أجل أن تكون مادة للفصل الثالث من المسرحية.
ولكن المجتمع الدولي وقد شبع من تكرار المسرحية في غزة لم يعد قادرا على هضم فكرة أن تتبخر أمواله قبل أن تصل إلى الشعب المنكوب. علينا أن نتذكر هنا أن أعمار ما تم تخريبه في الحرب السابقة التي وقعت عام 2014 لم يكتمل حتى هذه اللحظة بسبب اهمال المجتمع الدولي في مسألة الرقابة والاشراف على طريقة صرف الأموال التي قدمتها الدول التي شعرت بالحرج في مواجهة الوضع المزري الذي انتهى إليه أهل غزة بسبب تلك الحرب. قبل أن تبدأ الحرب الأخيرة كان الجزء الأكبر من البنية التحتية في غزة مهدما.
هناك اليوم دول عبرت عن رغبتها في دعم عملية الاعمار في غزة بأموال طائلة وفي مقدمتها مصر التي وضعت على المائدة نصف مليار دولار. غير أن هناك شرطا رفضته حماس ولم تعلق عليه السلطة بالرغم من أنه لا يحظى برضاها. لقد اشترطت مصر أن تكون شركاتها حاضرة في استعمال ذلك المبلغ في الاعمار. وهو ما يعني أنه لن يكون هناك أموال نقدا.
يفصح موقف الطرف الفلسطيني بجناحيه حماس والسلطة عن أن الفصل الثالث من المسرحية سيكون أصعب الفصول. سيكون أمرا مسليا ومؤلما في الوقت نفسه أن نكتشف أن صناعة الحرب والسلام معا انما هو عمل يقوم أصلا على هدف رخيص يتمثل في استدراج الأموال إلى الحسابات الشخصية وإذا لم يتحقق ذلك الهدف فلا معنى للحرب ولا للسلام الذي أوقفها. سيواجه صانعو الحرب والسلام وضعا عبثيا هو في حقيقته الوضع الذي مشوا بالشعب في متاهاته. فحماس انما يقوم وجودها على تضليل الشعب الفلسطيني بأن إسرائيل دولة زائلة كما أن السلطة صارت أشبه بالملك العاري.