ذلك الكردي الضائع بين الأمم كالقشة في ريح
قبل أكثر من ربع قرن كنت كلما سألت كرديا عراقيا "من أين أنت؟" يجيبني "من حلبجة" وهي الجملة التي سبق وأن قالها للمحققين الذين عالجوا الطلب الذي تقدم به من أجل الحصول على اللجوء.
كان يجب عليه أن يصدق أنه جاء من هناك لتبدو حكايته متماسكة ويبدو هو مقتنعا بها ومن أجل أن لا يشي به أحد.
ولكثرة من قالوا تلك الجملة صارت حلبجة أشبه بمدينة كبيرة هربت منها ملايين البشر بعد أن ضُربت بالسلاح الكيماوي في ثمانينات القرن الماضي. وذلك يناقض الحقيقة التي يُفترض أن سلطات الهجرة الأوروبية كانت على دراية بها.
اما أن تقبل تلك السلطات بتلك الكذبة وتصدقها فهي حكاية أخرى.
حتى أني حين التقيت ذات مرة أكرادا من سوريا وسألتهم "من أين أنتم؟" فأخبروني أنهم من حلبجة لم أشعر بالدهشة. كانت البلدة المنكوبة هي كلمة السر التي صارت عنوانا للجوء الكردي.
غير أن حكاية الأكراد مع اللجوء إلى الدول الغربية لم تبدأ من حلبجة. لقد سبقتها بكثير. فالحرب شمال العراق كانت تدور رُحاها منذ عقود ولم تتوقف إلا بعد أن تم تدمير الآلة العسكرية العراقية في حرب تحرير الكويت عام 1991 ومُنع الطيران العراقي بموجب قرار لمجلس الأمن من التحليق فوق ما يُسمى الآن بـ"كردستان" الإقليم الذي هو في حقيقة واقعه دولة مستقلة ليست في حاجة إلى الانفصال عن العراق لما يدره عليها البقاء صوريا ضمن دولة العراق من منافع مادية، فهي تستهلك 17% من الموازنة العراقية السنوية من غير أن تقدم أي شيء في المقابل. دولة عاطلة تعيش على حساب دولة ريعية.
اعود إلى حكاية الأكراد المنتشرين بين المنافي. فإذا كان حلمهم بقيام دولتهم القومية والتخلص من اضطهاد الحكومات المركزية التي منعت قيام تلك الدولة هو سبب تشردهم هربا من الموت والاعتقال والتعذيب وهو سبب لا ينطوي على أي نوع من المزاح فإن ذلك السبب قد انتهى مفعوله الآن بعد أن قامت دولتهم كما يريدون.
قبل أكثر من ثلاثين سنة فقدت بغداد القدرة على ازعاج كردي واحد. ولكن موجات الهجرة الكردية لا تزال مستمرة. كلما أحرجت موجة لاجئين جديدة أوروبا يشكل الأكراد الجزء الأكبر منها. يمكن اعتبار ذلك أمرا غريبا بالفعل إلا إذا كانت دولة كردستان القائمة الآن هي ليست الدولة التي حلمت أجيال كردية بها ومات الكثيرون من أجلها وتاجر كثيرون بها أيضا.
يقول أحد الأكراد العالقين عند الحدود البولندية "أفضل أن أموت على أراضي بيلاروسيا على أن اعود إلى العراق." السؤال هو "أي عراق ذلك الذي ستعود إليه؟" إذا كل حكام كردستان من كبيرهم إلى صغيرهم لا يعترفون بانتساب دولتهم إلى العراق بل أنهم لا يقرون ذلك الانتساب إلا حين يتطرقون إلى ما يسمونه حقوقهم في نفط العراق.
لم يقل ذلك الشخص إنه يفضل الموت على العودة إلى كردستان لأن الدولة الكردية هي المنطقة الوحيدة في العراق الآمنة حسب تصنيف دوائر الهجرة الأوروبية.
كلمة السر هذه المرة هي العراق وليست حلبجة.
ولكن هل يقدم أحد على القيام بهذه الرحلة المليئة بالمخاطر والتي قد لا تتكلل بالنجاح كما يحدث الآن من غير أن يملك أسبابا قاهرة تدفعه للذهاب إلى المجهول؟
يوم كانت هناك حلبجة كان هناك هوس غربي بالأكراد. كانوا أحد العناوين الكبيرة التي تم من خلالها اتهام صدام حسين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ذلك كله صار جزء من الماضي. الشباب الكردي لا علاقة له بما جرى في حلبجة. هم أبناء الدولة الناشئة التي لولا الموقف التركي الإيراني المزدوج المناهض لها لكان ممثلها اليوم يجلس في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
غير أن تلك الدولة ينخرها الفساد وأحوال مواطنيها العاديين ليست بأفضل من أحوال العراقيين. المشكلة التي يواجهها الكردي أن لا أحد في العالم يصدقه ويتعاطف معه إن قال ذلك. حينها تكون قضيته خاسرة ويكون قد حكم على نفسه بالفشل. ولأثبات ذلك فإن دولة كردستان لم تعلق على ما يجري لمواطنيها عند الحدود البولندية فهي غير معنية بهم وليس لديها استعداد للإنفاق على عودتهم إليها. فالفضيحة عراقية ولم يرد اسم كردستان فيها.
ما هو واضح بالنسبة للأكراد أن الغرب لا يعترف بحقهم في طلب اللجوء إن كانت المعاناة الإنسانية هي السبب. يجب أن يكون الكردي مُضطهدا لكن خارج حدود الدولة التي أُقيمت برعاية وحماية غربيتين.
كذبة تجر أخرى ويبقى الكردي ضائعا بين الأمم كريشة في الريح.