غزة هي الضحية الجاهزة
إذا كانت إسرائيل جادة في شن حرب على إيران فستكون غزة هي الهدف. بالرغم من أن حزب الله يحتاج إلى تلك الحرب غير أن الوضع في لبنان قد يفلت من بين قبضته إذا ما قامت.
اما حماس فإن حربها الأخيرة لم تنته بعد. وهي على الصعيد الداخلي لا تملك مفاتيح لحل يمكنها من فرض سياساتها على الواقع الفلسطيني بمستقبله الغامض. فهي إذ تحارب بالوكالة عزلت نفسها عن شروط ذلك الواقع الذي رُسم بموجب اتفاقات أوسلو ليكون قاعدة لقيام تفاهمات سلمية تؤدي في النهاية إلى قيام الدولة الفلسطينية التي لم تجد لها مكانا في العقل السياسي الفلسطيني المضطرب بسبب غموض وتذبذب السياسات الإسرائيلية باختلاف الحكومات.
ولأن حماس لم تتفاعل ايجابيا مع تلك الاتفاقات منذ البدء وهي تملك الحق في ذلك فإنها غير قادرة على تفهم عمق المأساة التي تنطوي عليها حرب هي ليست جزء من الأجندة الفلسطينية.
لقد ضحت حماس بسمعتها من خلال ارتباطها بالهيكلية الاخوانية. وهي إذ تضع غزة على الحجابات في الحرب الإسرائيلية الإيرانية فإنها تمنحها هوية إيرانية زائفة.
بالنسبة لإيران فإن كل مدينة يصل إليها نفوذها تكتسب هوية إيرانية. ذلك تحول يهب إسرائيل سببا مقنعا للانتقام من غزة وأهلها. فليس من مصلحة إسرائيل أن تقر بواقع أن إيران صارت جارتها من خلال غزة. كما أنها إذ تحاول أن تعالج مشكلة إيران النووية لا تملك خيارا آخر غير الرد على صواريخ حماس المتوقعة التي لا تُطلق لأسباب فلسطينية، بل هي جزء من خطط إيران الاستباقية.
صحيح أن حماس تصل بصواريخها إلى فلسطين غير أنها في الوقت نفسه تبعد فلسطين عن أهلها. بشكل مباشر يمكن القول أن تلك الصواريخ تبعد غزة عن فلسطين وتعمق الفجوة التي تفصل بين فكرتين عن المصير الفلسطيني. كلاهما عائمتان بعد أن تم شطب المقاومة الفلسطينية من معادلة الشرق الأوسط الذي صارت إيران فيه صانعة قرار لا يتعلق بها، بل بدول أخرى تهتم إسرائيل في التعامل معها.
لا يمكن لإسرائيل أن تتفاوض مع لبنان مثلا دون المرور بحزب الله وهو ما يعني حضورا إيرانيا كاملا في تلك المفاوضات. كما أن إسرائيل موجودة في شمال العراق بموافقة اضطرارية إيرانية. كل الخرائط تتقاطع فيها الطرق الإيرانية والإسرائيلية بعد أن تحول الشرق الأوسط إلى مجموعة من المدن المنسية مثل غزة تماما.
اما أن تتقدم غزة إلى الحرب فذلك خيار إسرائيلي إيراني مشترك. حرب جديدة على غزة لن تكون مكلفة بالنسبة لإسرائيل ومن جهة إيران فإن العرض الجاهز الذي تقدمه حركة حماس يغنيها عن الاحراج الذي يسببه ضرب مدينة أو منشأة نووية إيرانية. إيران لا ترغب في أن تدخل حربا مع دولة أقوى منها وتعرف أنها ستدمرها أو على الأقل تسقط نظام الحكم فيها. لذلك فإنها إذا ما شعرت أن إسرائيل جادة في ضربها ستوجه حماس بإطلاق صواريخها في اتجاه فلسطين المحتلة.
حينها ستتصرف إسرائيل انطلاقا من حقيقة أن هناك حربا إيرانية تُشن عليها. وهنا يتمنى المرء لو أن الفلسطينيين المتحمسين لحماس يدركون الدور المشبوه الذي تلعبه حماس خارج إطار النضال الفلسطيني. فكل الحروب التي خاضتها حماس وتسببت في دمار غزة لم تكن فلسطينية خالصة. مشكلة أولئك الفلسطينيين أنهم يقارنون كل شيء بسلطة رام الله وينسون أن هناك نضالا فلسطينيا سبق السلطة هو الأنقى في نوعه في التاريخ.
لقد نُسي كل شيء وبقيت السلطة. يا لقوة النسيان.
لذلك فإنه ليس من المستبعد أن تحارب إيران من غزة إذا ما شعرت بأن الخطر الإسرائيلي حقيقي. تلك حدودها مع إسرائيل التي لن ترى في ذلك نوعا من السخرية السوداء وهي تستهلك قوتها في حرب عبثية. ستكون إسرائيل يومها دولة غبية غير أنها ستستجيب لواقع فُرض عليها. ولكنها ليست غبية إلى الدرجة التي تتخلى معها عن خططها الاستراتيجية. لن تقع إسرائيل ضحية لخدعة إيرانية في غزة. وإن كانت غزة هي الضحية في كل الأحوال.
لن تتخلى إسرائيل عن هدفها في ضرب منشآت التخصيب النووية الإيرانية بغض النظر عن الإشارات الأميركية المريبة. وبغض النظر عن رسائل الاسترضاء الإيرانية فإن إسرائيل لا تقبل بإيران نووية وهي التي تملك حدودا معها من خلال حركة حماس وحزب الله. بالنسبة لها فإن إيران تشكل تهديدا مباشرا لن تقوى على التصدي له إلا إذا اقتلعت جذوره التي تقع في المكان الذي يغذي فكرة الحرب التي تحيطها. إيران هي ذلك المكان.