ستاثام يسجن نفسه داخل قالب باهت ومكرر في 'الرجل العامل'

الممثل البريطاني يواصل تقديم شخصيته النمطية حيث يلعب دور المحارب معتزل يعود إلى العنف بعد اختطاف فتاة، لكن العمل يعاني من حبكة مشتتة، وشخصيات بلا عمق، ومشاهد قتال مقطعة تفقد قوتها.

تبدأ قصة فيلم "الرجل العامل" عندما تترك شخصية تدعى "ليفون كيد" مهنته ليعمل في البناء ويكون أبًا صالحًا لابنته، لكن اختفاء فتاة من المدينة يجبره على العودة إلى المهارات التي جعلته شخصية أسطورية في عالم مكافحة الإرهاب الغامض.

الفيلم من سيناريو سيلفستر ستالون، وبطولة كل من جيسون ستاثام وديفيد هاربر ومايكل بينا وإيميت سكالان وماكسيميليان وسانسكا وجايسون فليمينغ.

يحافظ الممثل البريطاني جيسون ستاثام على صورة سينمائية لا تعرف التبدل، إذ يصر على تكرار النمط نفسه في معظم أعماله، وكأنّه يسير ضمن خطّ مستقيم لا يعترف بالانحناءات، كونه يظهر دائمًا بملامح صارمة، بُنية قوية، وحضور جسدي لا يلين. لا يختلف كثيرًا بين فيلم وآخر، فهو الجندي السابق، أو رجل المخابرات المعتزل، أو الحارس الشخصي المتواري، الذي يجد نفسه مجددًا في قلب صراع عنيف، بينما تتعدد الحبكات من حيث الشكل، لكنها تتقاطع في الجوهر.

قدم هذا التكرار في أفلام عديدة مثل "الناقل"، و"الملاذ"، و"جبهة داخلية"، وسلسلة "السرعة والغضب"، دون أن يسعى إلى تطوير الشخصية أو توسيع أبعادها النفسية. ويظل أسير البطولة المنفردة، حينما يُنجز المهمة وحده، ويفرض النظام بالقوة، ويُنهي المعركة في صمت.

ورغم هذا التكرار، يحقق هذا النمط حضورًا جماهيريًا لافتًا، ويجد طريقه إلى النجاح في شباك التذاكر، كأنّ المشاهدين لا يطلبون التجديد من ستاثام، فقط يأتون لمشاهدته كما هو. لا يُراهن على المفاجآت، وإنما على الثبات،  وهذا الرهان يثمر تجاريًا، حتى وإن خسر فنيًا.

ويأتي فيلم "الرجل العامل" كحلقة جديدة في سلسلة الأدوار المتشابهة، إذ تحاول المشاهد الإيحاء بوجود تعقيد درامي أكبر، لكنه لا يُفلح في تجاوز الإطار المعروف، ليظل العمل محصورًا في قوالب جاهزة، ويطرح تجربة سينمائية تحمل ملامح القوة الجسدية، لكنها تفتقد حرارة الصراع الداخلي وعمق البناء السردي.

وتبرز حبكة السيناريو قصة "ليفون كايد"، المحارب السابق الذي ينسحب من حياة القتال، ويبحث عن حياة بسيطة في مجال البناء, ويُشرف على ورشة تابعة لعائلة منحته فرصة جديدة، ويعيش بهدوء ظاهر يخفي وراءه توتراً دائمًا، بينما تتغير الأمور حين تُختطف فتاة من هذه العائلة، فيُضطر إلى العودة إلى طبيعته الأولى، ويخوض رحلة استعادة، عنوانها المواجهة والانتقام، لا التفاوض أو التراجع.

 تعتمد الحكاية على نموذج الرجل الذي لا يطلب القتال، لكنه لا يتردد إذا فُرض عليه. لا يُبادر بالشر، لكنه لا يغفر لمن اقترب من دائرته، ثم يعود إلى الساحة كأنّه لم يغادرها، ويستخدم العنف بلا تردد، ويُطارد خصومه كأنّه يعرفهم منذ زمن. لا يبرر غضبه، ولا يفسر صمته، ويترك أفعاله تنوب عنه، وهذا بالضبط ما يعتمد عليه ستاثام في غالبية أفلامه.

ويحمل المخرج ديفيد آير سجلًا ممتدًا في تقديم شخصيات مشحونة بالعنف والانضباط، كونه يكرر في هذا العمل ما فعله سابقًا مع ستاثام في فيلم "مربي النحل"، من خلال بطل لا يحتاج إلى الكلام ليُعلن حضوره. ويستخدم المخرج التصوير القريب، وزوايا ضيقة في المواجهات، ويعتمد على الإيقاع المتقطع، لكن دون أن يبلغ الكثافة المطلوبة، فتتكرر الأساليب البصرية، دون أن تُمنح مساحة للتجديد.

ويحاول المخرج آير إضافة طبقات جديدة، لكنه يظل يدور في محيط مألوف، لا يبتكر فيه إلا جزئيات صغيرة، سرعان ما تختفي تحت سطوة القالب القديم، ثم يكتفي بإعادة ترتيب العناصر نفسها، وهذا الأسلوب يجعل التجربة مألوفة أكثر مما ينبغي.

ويُعاني الفيلم من تشتيت واضح في بنائه السردي، إذ لا يكتفي بخط الإنقاذ، وإنما يضيف مسارات متعددة، منها علاقة الأب بابنته، وحياة سابقة غامضة، وشبكات إجرامية غير واضحة المعالم. لا تحظى هذه المسارات بتطور حقيقي، فتظهر وتختفي دون منطق داخلي يُبررها، ويتنقل المشاهد بين محاور لا تلتقي، وشخصيات لا تتكامل، وهذا يُضعف التماسك، ويُفقد الحكاية وضوحها، يُولد تكرارًا وتشويشًا.

 ويوضح الفيلم كأنه يتردد في اتخاذ قرار بشأن اتجاهه، فينحرف إلى الجانبين دون أن يثبت على أحدهما.

ويُفترض في أفلام كهذه أن تبني خصومًا يمتلكون حضورًا قويًا، وتمنحهم دوافع تجعل المواجهة أكثر توترًا. لكن الفيلم يُقحم عددًا كبيرًا من الأشرار، دون خلفيات واضحة، أو ترابط منطقي. ويظهر الخصم ويُقتل قبل أن يُفهم، وتُطرح أسماء دون سياق، ليفقد العدو قيمته كعنصر سردي.

وتنهار فكرة الخطر حين يُصبح العدو بلا هوية. فلا يعود الانتصار مجزيًا، ولا المواجهة ضرورية. ويقتل البطل خصومه واحدًا تلو الآخر، دون أن يُشعرنا بوجود خطر حقيقي أو نهاية وشيكة.

ولا تُقدّم مشاهد القتال بصورتها المثلى، إذ تميل الكاميرا إلى القطع المتواصل، وتعتمد على الزوايا القريبة التي تمنع العين من تتبع الحركة. ويُعرف عن ستاثام قدرته البدنية الفائقة، وخبرته في القتال المباشر، لكن هذه الميزات لا تظهر حين يُختصر المشهد إلى لقطات مجزأة تُخفي المهارة خلف التقطيع، عندما تُصبح المواجهة مناسبة لإثارة سريعة، لا لمعركة ممتدة تحمل وزنًا نفسيًا، فتُقطع المشاهد قبل أن تنضج، وكأن الفيلم يستعجل النهاية دون أن يمنح لحظة التوتر ما تستحقه من امتداد.

ويتذبذب إيقاع الفيلم بين البطء في غير محله، والتسارع في لحظات تتطلب التمهل. لا ينجح في بناء تصاعد درامي، ويُشوش على المشاهد بحوارات جانبية، واستطرادات لا تخدم الحبكة. وتتوقف الأحداث فجأة لتفتح قوسًا لا يُغلق، ثم تعود إلى المسار الرئيسي وكأن شيئًا لم يكن.

ويفتقد الفيلم إلى وحدة زمنية داخلية، وإلى ترابط يُبقي المشاهد مشدودًا، إذ تُلقى في وجه المتفرج دون تمهيد، فتضيع الفائدة، وتبهت النتيجة.

ويحافظ جيسون ستاثام على هيبته رغم كل العثرات. لا يُخطئ في حضوره الجسدي، ولا يُضعف تأثيره السكوني. لكنه لا يُمنح الفرصة لتجاوز النمط، فيكرر الأداء ذاته، بنفس النبرة، ونفس السكون، وكأنه يتفاعل مع ظل شخصيته، لا مع أحداث الفيلم، فيظل البطل كما كان في أول مشهد: متماسكًا، صامتًا، لا يتغير. ورغم ذلك، يحفظ حضوره للفيلم بعض الجاذبية، ويمنحه الحد الأدنى من القوة.