اختراع المسألة الدرزية
عبر ثلاثة عشرة سنة من الحرب في سوريا حافظ الدروز على أمن واستقرار المناطق التي يقيمون فيها. منعوا الجماعات والفصائل والتنظيمات المسلحة المناهضة للدولة من الزج بهم طرفا في تلك الحرب كما أنهم أثبتوا للدولة أنهم لن يشكلوا خطرا عليها وأنهم قادرون على حماية أنفسهم ومدنهم بأنفسهم من غير الحاجة إلى تدخل القوى الأمنية أو الجيش وهو ما احترمته الدولة وانصاعت له.
عاشت السويداء ذات الغالبية الدرزية عبر تلك السنوات وضعا فريدا من نوعه مقارنة بالمدن السورية الكبرى التي أصابها زلزال الحرب بشتى أنواع الكوارث البشرية والمادية. ذلك ما يُحسب نجاحا للدروز من جهة كونهم الأقلية التي نجحت في الخروج من الدعاية التي تؤكد أن أمنهم كأقلية مرتبط بالحماية التي يوفرها النظام كما أنهم في الوقت نفسه لم تكن لهم رغبة في المشاركة في عملية تغيير النظام بالقوة من خلال تهديم سوريا.
كان موقف الدروز حكيما ومتوازنا وعقلانيا وهو ما لم يكن موضع رضا من قبل المناهضين للنظام الذين حُرموا من إمكانية إلحاق السويداء بحلب وحماه وحمص وإدلب والرقة وسواها من المدن التي أصابها الخراب وتم تعريض سكانها للقتل والتهجير. ظل الدروز إلى يوم سقوط النظام وهروب رئيسه بشار الأسد من دمشق هم الأقلية السعيدة من غير أن يتواطؤوا مع النظام أو يقفوا إلى جانبه. تلك معجزة في ذلك الزمن الصعب.
لم تعجب المعجزة الدرزية الفصائل المسلحة التي دخلت دمشق منتصرة بعد أن أدت توافقات دولية وإقليمية إلى سقوط نظام الأسد وتسليم الحكم لهيئة تحرير الشام التي يتزعمها أحمد الشرع باسمه الحركي أبومحمد الجولاني، غير أن هيئة تحرير الشام لم تكن وحدها كما أن عضويتها ومنذ تأسيسها كجبهة النصرة لم تكن مقتصرة على السوريين. كانوا خليطا من لغات متعددة، شيشانية وباكستانية وأفغانية وعربية وآذرية وطاجية وسواها. كل أولئك المقاتلين دخلوا دمشق محررين باعتبارهم مناهضين (أصلاء) لنظام بشار الأسد. كان من الطبيعي بالنسبة للنظام الجديد أن يسند إليهم مناصب في الدولة والجيش والمؤسسات الأمنية بعد أن أعتبرهم مواطنين جددا. ولأن عددهم ليس بالقليل فقد صار على الأقليات أن تستعد لمواجهة إسلام سنّي جديد. إسلام لا يتحدث العربية ولا يعرف عن تاريخ التنوع العرقي والطائفي والديني في سوريا شيئا. تلك هي المشكلة التي صارت على الدروز أن يواجهوها وهي مشكلة وجود ومصير.
ليس من المقبول تجزئة المشكلة. ما حدث في جرمانا بدمشق في وقت سابق للأقلية الدرزية التي تقيم هناك كان تمهيدا لما حدث في السويداء. لم يقل أحد في النظام السوري الجديد أن الدروز أخطأوا في مقاربتهم الإسرائيلية. لم تعترض الدولة السورية على الزيارات المكوكية التي قام بها الدروز إلى أراضي فلسطين المحتلة. غير أن طلب الحماية الدولية يشكل تحولا خطيرا لا على مستوى المسألة الدرزية بل على مستوى الأقليات السورية الأخرى وإن كان في هذه الحالة يفتح المجال واسعا للتدخل الإسرائيلي.
من المؤسف فعلا أن إسرائيل تبرعت بحماية الأقلية الدرزية في مواجهة الخطر الذي تمثله الفصائل المسلحة المدعومة من النظام الجديد. وهو ما دعاها إلى توجيه ضرباتها إلى دبابات الجيش السوري التي كانت متوجهة إلى السويداء وإلى مواقع عسكرية في دمشق.
ولكن الحماية الدولية إذا ما تم تكريسها ليست مجرد فكرة. سيكون علينا بعدها التفكير في المسألة الدرزية التي ستُطرح على مستوى دولي. وبذلك يكون النظام الجديد قد خسر واحدا من أهم رهاناته في الحفاظ على سوريا الموحدة. كما أن ذلك سًيضعف مصداقيته أمام القوى العالمية والإقليمية التي ترعاه.
وإذا ما كانت إسرائيل قد لجأت إلى ضرب دمشق لأول مرة بعد سقوط نظام الأسد وانسحاب إيران من الأراضي السورية فإن ذلك يُعد مؤشرا على أن أنها قد وضعت المسألة الدرزية في لائحة اهتماماتها الاستراتيجية ولا تزيحها عن تلك اللائحة أية خطوة يلقيها النظام السوري الجديد في اتجاه التطبيع. علينا أن نتذكر أن ضرب دمشق جاء بعد أيام من لقاء الشرع مع مسؤولين من الدولة العبرية في أذربيجان.
ما حدث في السويداء وبضمنه الإجراءات الإسرائيلية التأديبية يؤكد أن النظام إما لا يملك برنامجا سياسيا وطنيا وهو ما يجعله واقعا في فخ المنطلقات العقائدية المتطرفة التي لا تزال تشكل أسلوب النظر إلى الآخرين أو أنه غير قادر على السيطرة على سلوك الجماعات المسلحة التي تم جلبها إلى دمشق. وذلك ما يهدد سلامة وأمن المواطنين في سوريا. في الحالين فإن النظام السوري الجديد سيفشل في بناء دولة المواطنة وهو ما يعني أن سوريا ماضية في الطريق التي مشى فيها العراق.