المغرب والأردن… شراكة سياسية راسخة تبحث عن ترجمة اقتصادية بحجم الطموح
لم تكن العلاقات المغربية–الأردنية يوماً علاقة عابرة أو رهينة لحسابات ظرفية، فهي امتداد طبيعي لتاريخ طويل من التفاهم والتنسيق، يستند إلى قاعدة صلبة من الاحترام المتبادل والرؤية المشتركة لمصالح الأمة العربية.
لقد شكّل التوافق الدائم بين البلدين على مختلف القضايا الإقليمية والدولية نموذجاً نادراً في العمل العربي المشترك، حيث يلتقي الموقف السياسي بالدبلوماسية الهادئة والحكمة في إدارة الملفات الحساسة.
العنصر الأبرز الذي يميز هذه العلاقات هو البعد الشخصي والإنساني في الصلة الأخوية الوثيقة بين الملك محمد السادس والملك عبدالله الثاني. هذه العلاقة التي تتجاوز المجاملات البروتوكولية لتترسخ في شكل ثقة متبادلة وإرادة مشتركة لخدمة قضايا الشعوب العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
لكن قوة هذه العلاقة السياسية لم تُترجم بعد، بالشكل الكافي، إلى تعاون اقتصادي وتجاري يرتقي إلى مستوى الطموح. ورغم وجود اتفاقيات تعاون متعددة، لا تزال الأرقام تعكس واقعاً دون المستوى المنشود، خاصة في ظل الإمكانيات الكبيرة التي يمتلكها البلدان، سواء من حيث الموقع الاستراتيجي أو الموارد البشرية المؤهلة أو التجارب الناجحة في مجالات السياحة والصناعات الغذائية والدوائية والطاقة المتجددة.
اليوم، ومع الإعلان عن الخط الجوي المباشر المنتظر بين عمّان والدار البيضاء ابتداءً من شهر أكتوبر، تلوح فرصة جديدة لكسر الحاجز الجغرافي واللوجستي الذي كان يحدّ من التبادل الاقتصادي والسياحي. هذا الربط الجوي المنتظم ليس مجرد خط طيران، بل هو جسر للتواصل التجاري والثقافي، ومنصة لتبادل الاستثمارات، وفرصة لزيادة التدفقات السياحية بين بلدين يمتلكان ثراءً حضارياً وإنسانياً لا مثيل له.
المطلوب الآن هو أن ترافق هذه الخطوة رؤية اقتصادية شاملة، تقوم على تحفيز الاستثمار المشترك، وإزالة العوائق الجمركية، وتطوير الشراكات في قطاعات واعدة مثل التكنولوجيا الخضراء والتعليم العالي والخدمات المالية. كما أن تعزيز التعاون بين غرف التجارة والصناعة، وإطلاق منتديات اقتصادية دورية، يمكن أن يحول التنسيق السياسي النموذجي إلى تكامل اقتصادي حقيقي.
إن التاريخ والجغرافيا والقيادة السياسية الحكيمة أوجدت قاعدة مثالية للعلاقة المغربية–الأردنية، لكن المستقبل الاقتصادي لهذه العلاقة يتوقف على الإرادة في تحويل القوة السياسية إلى محرك للنمو المشترك، بما يضمن مصلحة الشعبين ويعزز موقع البلدين كفاعلين أساسيين في الفضاء العربي.