هل تطوي النكسات صفحة جماعات الإسلام السياسي في العالم العربي

مع استمرار الحرب في السودان، والانقسام الليبي، وفشل التجربة التونسية، وانكسار الإسلاميين في المغرب، يبدو أن الإسلام السياسي يعيش لحظة تراجع تاريخي.

مع تعثر مشروع الإخوان في تونس والمغرب، وتشظيه في ليبيا، وفشل الإسلاميين في الجزائر، وانهياره في السودان بعد ثلاثة عقود من الحكم وما أعقب ذلك من حرب مدمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، يفرض السؤال نفسه بقوة: هل نحن أمام نهاية مرحلة الإسلام السياسي في العالم العربي؟ وهل يمكن أن تمتد هذه الأزمة لتطال تركيا، التي مثّلت لعقدين من الزمن النموذج الأكثر صعوداً لهذا المشروع؟

صعود ما بعد 2011 وسقوط مدوٍ

بعد موجة الربيع العربي عام 2011، وجدت جماعات الإسلام السياسي نفسها في صدارة المشهد، مستفيدة من انهيار أنظمة سلطوية وتنامي خطاب "الديمقراطية الإسلامية". فقد وصلت إلى السلطة منفردة أو مشاركة في أكثر من بلد: مصر، تونس، المغرب، ليبيا، السودان، وحتى ضمن محاولات محدودة في الجزائر. غير أن هذا الصعود السريع تبعه مسار عكسي من الانكسارات:

في المغرب، مني حزب العدالة والتنمية بهزيمة غير مسبوقة في انتخابات 2021، إذ تراجع من 125 مقعداً إلى 12 فقط، بعد عقد كامل في الحكم.

في تونس، جُمّد البرلمان الذي تهيمن عليه حركة النهضة في يوليو 2021 بقرارات استثنائية للرئيس قيس سعيد، وسط دعم شعبي واسع، ما كشف عن هشاشة القاعدة الاجتماعية للحركة.

في السودان، انهار حكم الإخوان بإطاحة عمر البشير في 2019، ليخلف ذلك مرحلة انتقالية مأزومة، ثم انفجار حرب دامية بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. هذا الانهيار كشف أن تجربة الإسلاميين لم تترك سوى مؤسسات أمنية وعسكرية متصارعة، وطبقة سياسية فاسدة ومعزولة عن الشارع.

وتحاول الحركة الإسلامية منذ فترة استعادة دورها بداية بانكفائها إلى الحاضنة الاجتماعية والتركيز على الجانب الدعوي والخيري واعتزال مؤقت للسياسية وصولا إلى محاولاتها في الوقت الراهن التسلل إلى مؤسسات حكم الأمر الواقع بقيادة قائد الجيش رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان.

وتبدو محاولاتها للعودة وانتزاع مكانتها في مشهد مأزوم وقاتم على جميع المستوى، أمر مفهوم فالتجربة أكدت أن الحركات الاسلاموية عادة ما تنتعش في بيئة الفوضى والانفلات اذ تتيح لها هذه البيئة الحركة بحرية أكبر والاستفادة من الأزمات المتناثرة.

والبرهان ذاته جزء من النظام الذي قاده عمر البشير طيلة 3 عقود اعتمادا على دعم الإسلاميين وإن حاول (البرهان) الظهور بمظهر من يريد القطع مع النظام السابق، فإن دور وتأثير الحركة الإسلامية لم يعد خافيا لا ميدانيا ولا في كواليس السياسة.

في ليبيا، ظل الإسلاميون جزءاً من مشهد متشظٍ، لكنهم لم ينجحوا في فرض نفوذ مستدام في ظل تناحر الميليشيات وتعدد الولاءات الخارجية.

في الجزائر، عجزت الأحزاب الإسلامية، رغم محاولات التحالف، عن كسر هيمنة الحزب الحاكم والأحزاب التقليدية، وبقيت أسيرة إرث العشرية السوداء الذي قوّض رصيدها الشعبي.

أما في الأراضي الفلسطينية، فتجربة حركة "حماس" تختلف عن غيرها إلى حدود هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 (عملية طوفان الأقصى) الذي قلب المعادلة على الأقل في غزة ضد الحركة التي تعتبر امتدادا لتيار الاخوان المسلمين.

شعبيا لم تعد حماس تحظى بالترحيب والقبول ذاته في القطاع بفعل النتائج العكسية لعملية طوفان الأقصى التي ردت عليها إسرائيل بتدمير ممنهج للقطاع وبقتل أهله وتشريدهم وتجويعهم وكأنها كانت تنتظر من حماس مثل هذه "الهدية" لتستقطب الدعم والتعاطف الدوليين ولتبرر عمليات القتل والإبادة بما تقول إنه دفاع عن النفس.

بمنطق المقاومة قد تجد رؤية حماس قبولا شعبيا وبمنطق الربح والخسارة، لم تعد الحركة الإسلامية تحظى بالتأثير والتعاطف الشعبيين عربيا وإقليميا، فقد خسرت الأرض وخسرت الدعم وأغرقت غزة في بحر من الدماء والبؤس والجوع.

طبعا هذا لا يعني تبرئة ساحة إسرائيل من كل هذه الجرائم، ففعل القتل والإبادة لم يكن يوما استثناء في سياسة تل أبيب وأجندتها ورؤيتها لـ"إسرائيل الكبرى"، لكن حماس وفرت لها أرضية لارتكاب كل تلك الجرائم تحت مسمى أن كل فعل مقاومة لا بد له من ثمن، إلا أن من يواصل دفع فاتورة هذه الحرب هو أهل غزة خصوصا والشعب الفلسطيني عموما.

وبعيدا عن سرديات الحرب والمقاومة، أفلت تجربة حكم حماس في غزة واظهرت أن عمر حركات الإسلام السياسي قصير.

 ومنذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، تدير الحركة منطقة محاصرة بالكامل، ما يجعل الحكم هناك حالة استثنائية. وبينما ينظر إليها على أنها امتداد للتيار الإخواني، فإن تقييم تجربتها يظل معقداً بفعل الحصار الإسرائيلي والانقسام الداخلي، حيث تراوحت بين إدارة بقبضة حديدية وحرب مستمرة مع قوة محتلة، وهو ما منحها في نظر البعض مشروعية لا تتوفر لغيرها من الحركات الإسلامية.

بين خطاب المظلومية وإخفاق التجربة

أنصار الإسلام السياسي دافعوا عن إخفاقاتهم باعتبارها نتيجة "ثورات مضادة" داخلية وخارجية، مدعومة من أنظمة عربية ودول كبرى تخشى من تمدد "الديموقراطية الإسلامية". ويؤكد هؤلاء أن الإسلاميين لم يُمنحوا الوقت الكافي لتطبيق رؤاهم، مستشهدين بتجربة مصر التي انتهت بعد عام واحد من وصول محمد مرسي إلى الحكم.

لكن في المقابل، تكشف التجارب المتعددة أن الأزمة ليست فقط نتيجة خصوم سياسيين، بل نتاج عوامل داخلية أعمق:

غياب رؤية اقتصادية وتنموية واضحة.

الارتهان لأجندات أيديولوجية مغلقة.

تضخم الخطاب الأخلاقي مقابل واقع من الفساد والمحسوبية بعد الوصول إلى السلطة.

في المغرب، جاء تصويت الناخبين ضد العدالة والتنمية عقابياً بعد وعود أخلاقية تبخرت في زحمة السلطة. وفي تونس، تجاهل الشارع دعوات النهضة للتظاهر حتى من بعض أنصارها وانقسمت ببروز تيار رفض استمرار الحرس القديم في إدارة الحركة.

أما في السودان، فإن تجربة الإخوان ارتبطت بسنوات من القمع والتسلط والفساد، مما جعل سقوطهم حتميا وأدى إلى فراغ سياسي تحوّل لاحقاً إلى حرب أهلية تهدد وحدة البلاد.

من الجاذبية الأخلاقية إلى العقاب الشعبي

كان الرهان الأكبر لهذه الحركات هو خطابها الأخلاقي، باعتبارها "تخاف الله" وتحارب الفساد. وهو ما أقنع شعوباً مثقلة بتركة الاستبداد والتهميش بالتصويت لها. لكن سرعان ما تلاشت تلك الجاذبية بعد تجربة الحكم: فقد انكشف ضعف الكفاءة، واستفحل الفساد، وغابت الحلول الاقتصادية والاجتماعية. فكانت النتيجة ردود فعل شعبية عقابية:

في المغرب، سقوط حر من المرتبة الأولى إلى الثامنة

في تونس، التفاف شعبي حول الرئيس قيس سعيد ضد النهضة.

في السودان، انتفاضة شعبية واسعة ضد إرث الإسلاميين قادت إلى إسقاط البشير، ثم إلى عزلة التيار الإخواني عن أي عملية سياسية لاحقة، لكن بيئة الفوضى الحالية أنعشت الاخوان وأعادتهم للواجهة مجددا، إلا أن مدى قدرتهم على العودة للحكم يبقى أمرا مشكوك فيه ومتروك لتطورات الوضع على الأرض في حرب أهلية أدمت السودان والسودانيين.

هل يُغلق القوس؟

اليوم، لم يعد الإسلام السياسي في العالم العربي كما كان بعد 2011. فمشروع "التمكين" الذي حاولت أن تقوده تركيا عبر رعاية أحزاب إخوانية في المنطقة، يتعرض لاهتزازات قوية. وسقوط تجاربه لم يعد يفسَّر فقط بضغط الأنظمة أو القوى الدولية، بل بخلل بنيوي في الفكرة نفسها: من حيث غياب البدائل الاقتصادية، وانحصارها في خطاب أيديولوجي، وتناقضها بين الشعارات الأخلاقية والممارسة السياسية.

ومع استمرار الحرب في السودان، والانقسام الليبي، وفشل التجربة التونسية، وانكسار الإسلاميين في المغرب، يبدو أن الإسلام السياسي يعيش لحظة تراجع تاريخي، لكن السؤال الأعمق يبقى مفتوحاً: هل نحن أمام نهاية كاملة لهذا المشروع، أم أن هذه الحركات قادرة على إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة كما فعلت في محطات سابقة؟