ذكاء اصطناعي يرتدي قناع مذيعة تلفزيونية يثير الذعر في بريطانيا!

قناة 'تشانل 4' تبث حلقة من برنامج 'ديسباتشز' قدّمتها مذيعة افتراضية، في تجربة هدفت لاختبار الثقة والمصداقية في عصر التقنية الرقمية ما اثار جدلا واسعا ومخاوف من مستقبلٍ تُستبدل فيه الوظائف الإعلامية بالبشر الافتراضيين.

لندن – أحدثت قناة "تشانل 4" البريطانية صدمة في الأوساط الإعلامية بعدما بثّت مساء الاثنين حلقة من برنامجها الوثائقي "ديسباتشز" حملت عنوان "هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي عملي؟"، لتكشف في نهايتها أن مقدّمة البرنامج، المعروفة باسم "عائشة غابان"، ليست إنسانة حقيقية، بل مذيعة جرى توليدها بالكامل بالذكاء الاصطناعي، في سابقة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ التلفزيون البريطاني.

الحلقة التي بُثت في العشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2025، تناولت تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل البريطاني والعالمي، واستعرضت كيف بدأت التقنيات الحديثة تُغيّر طبيعة المهن في قطاعات مثل القانون والطب والموسيقى والموضة. لكن المفاجأة الكبرى جاءت في ختام البث، حين كشفت المذيعة الافتراضية بنفسها عن هويتها الرقمية قائلة: "أنا لست حقيقية. لم أكن في مواقع التصوير، صورتي وصوتي تم توليدهما بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي. في سابقة بريطانية، أنا مذيعة آلية".

وجرى تصميم المذيعة الرقمية بواسطة شركة "كاليل برودكشنز" بالتعاون مع علامة الأزياء الذكية "سيرافين فالورا"، عبر استخدام خوارزميات متقدمة وقدرات توليد نصوص وصوت وصورة ثلاثية الأبعاد. ووفقاً لما أكدته القناة في بيان رسمي، فإن الهدف من التجربة لم يكن تقديم نموذج دائم للمذيعين المستقبليين، بل إثارة نقاش واسع حول حدود الثقة والمصداقية في عصر تتزايد فيه قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة البشر بدقة مذهلة.

وقالت لويزا كومبتون، رئيسة قسم الأخبار والشؤون الجارية في القناة، إن استخدام مذيعة آلية "لن يصبح عادة متكررة"، مشيرة إلى أن تركيز "تشانل 4" سيبقى منصبّاً على "الصحافة الدقيقة، الموثوقة، والمتوازنة"، لكنها أضافت أن التجربة "تذكير مهم بمدى قدرة الذكاء الاصطناعي على إرباك الجمهور وخداعه بسهولة بمحتوى يصعب التحقق منه".

وأشارت القناة إلى أن نحو 73% من أصحاب الشركات في بريطانيا باتوا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في أداء مهام كانت حتى وقت قريب حكراً على البشر، ما يعزز المخاوف من تسارع وتيرة الأتمتة وتأثيرها على الوظائف، خصوصاً في القطاعات الإبداعية والإعلامية.

ردود الفعل على التجربة انقسمت بشدة. فبينما أشاد بعض التقنيين بخطوة "تشانل 4" بوصفها "ابتكاراً جريئاً يعكس روح المستقبل"، عبّر عدد كبير من المشاهدين عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن خوفهم من مآلات هذه التكنولوجيا، ووصفوا المشهد بـ"المرعب" و"الديستوبيا القادمة". وكتب أحد المستخدمين على منصة "إكس": "برنامج ديسباتشز عن الذكاء الاصطناعي مخيف فعلاً… البشرية تمشي نحو المجهول وعيونها مغمضة". فيما شبّه آخرون ما شاهدوه بإحدى حلقات مسلسل "بلاك ميرور" الشهير الذي يستشرف العواقب المظلمة للتقنية الحديثة.

ورأت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن التجربة كانت "قاتمة على أكثر من مستوى"، مشيرة إلى أن المشهد بدا أقرب إلى "نكتة مرعبة عن مستقبل الإعلام"، فيما اعتبرت وسائل إعلام أخرى أن القناة نجحت في توجيه ضربة رمزية إلى النقاش الدائر حول حدود الذكاء الاصطناعي، خاصة بعد الجدل العالمي حول استخدام تقنيات "التزييف العميق" في الأخبار والسياسة.

وأكد خبراء تحدثوا لوسائل إعلام بريطانية أن التجربة تثير تساؤلات أخلاقية ومهنية عميقة: هل يجب على القنوات الإعلامية أن تُبلغ المشاهد مسبقاً عندما يكون المذيع غير حقيقي؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحافظ على الحياد، أو يتبنّى مواقف إنسانية أثناء تغطية قضايا حساسة؟

في المقابل، يرى مطوّرو التقنية أن هذه الخطوة تمثّل "نموذجاً استكشافياً" لإمكانيات استخدام الذكاء الاصطناعي في تسريع إنتاج الأخبار وتقليل التكاليف التشغيلية. وقالت شركة "سيرافين فالورا" المصممة للمذيعة الرقمية إن هدفها كان "ابتكار وجه بشري آلي قادر على التفاعل العاطفي والإلقاء الواقعي أمام الكاميرا".

لكن خلف هذا الإبهار التقني، تلوح أسئلة مقلقة حول مستقبل الوظائف في الإعلام وصناعة المحتوى. فهل سيأتي يوم يصبح فيه "المذيع البشري" رفاهية أو جزءاً من الماضي؟ أم أن هذه التجربة ستظل مجرد جرس إنذار للتذكير بأن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من الدقة، لا يستطيع أن يحل محل الوعي الإنساني؟

بهذا البثّ، صنعت "تشانل 4" سابقة إعلامية ستبقى علامة فارقة في تاريخ التلفزيون البريطاني. ليس فقط لأنها استخدمت مذيعة رقمية لأول مرة، بل لأنها وضعت المشاهد أمام سؤال وجودي جديد: في زمنٍ تتشابه فيه الوجوه والأصوات بين الحقيقي والمصطنع، من الذي يمكننا أن نثق به حقاً؟