المغرب في صحرائه وإيران في صحراء الجزائر
عبارة "المغرب في صحرائه" لم تكن يوماً مجرد عبارة على وزن قافية كتابية أو شعار وطني لفظي لإراحة النفوس وبث الوطنية، بل كانت منذ 2007، أي في العام الذي قدّم فيه المغرب رسمياً للعالم مقترح الحكم الذاتي كحل سياسي وحيد ومسار تفاوضي واقعي قابل للتنفيذ وضمان تقرير مصير سكان الأقاليم الجنوبية. مع هذه اللحظة أكملت الدولة المغربية تطورها الاقتصادي والبنيوي والأمني والحقوقي والمؤسساتي والسياسي والتنموي والتعليمي والاستثماري في الأقاليم الجنوبية، غير مكترثة بكل التقارير الدولية المُنحازة والمشوّهة والعقيمة التي كانت تخرج تارة عن منظمات حقوقية دولية متحيزة أو شخصيات حقوقية مأجورة ضد واقع حقوق المواطن في الأقاليم الجنوبية!
نذكر جيداً قبل عشر سنوات وأكثر كيف كان كابوس التقارير يحرّف الواقع الإنساني في الصحراء المغربية مع اقتراب كل اجتماع أمني في نيويورك أو جنيف حول ملف الصحراء، وكان حتى بعض المغاربة في الداخل - للأسف - يعيشون مغالطات كثيرة حول الملف. ثم جاءت الدبلوماسية المغربية وكلّلت كل جهود الدولة والصحافة والمجتمع المدني الذي كان يدافع عن مقترح الحكم الذاتي وينادي في الداخل قبل الخارج بشأن المسار الصحيح الذي يسير فيه المغرب لأجل انتصار موقفه العادل المُحق على أي تهديد لاستقراره وأرضه وشعبه.
فنجحت الدبلوماسية المغربية حينها بتحقيق اعترافات دولية عديدة على الصعيد الأممي، وصولاً إلى دول صانعة للقرار في مجلس الأمن حول مغربية الصحراء من جهة، وحول حصرية الحكم الذاتي كحل سياسي تفاوضي لطي صفحة هذا الملف من جدول أعمال مجالس الأمم المتحدة من جهة أخرى.
اليوم، ومع حسم الغرب لكثير من الملفات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العام الحالي وما يليه، تحصد الدبلوماسية المغربية ثمار كل جهودها السابقة، وستقطف بهدوء وصبر ثمار التغيرات الدولية في خريطة السلام العالمي.
ملف الصحراء لم يستنزف يوماً المغرب، بل على العكس تماماً قامت الدولة بواجبها تجاهه وتجاه المواطنين للحفاظ على وحدة الأرض والشعب؛ فأي دولة تتعرض لمحاولات من دول أخرى أو جماعات إرهابية أو ميليشيات مسلحة خارجية لسرقة أرضها وتاريخها وهوية سكانها، يحق لها، بل يجب عليها، صرف الغالي للدفاع عسكرياً ودبلوماسياً وأمنياً بكل أنواع الإمكانيات لأجل إحقاق الحق.
ولكنّ الجزائر، كدولة وشعب ونظام وعسكر، هي التي استنفدت الملايين لدعم كل ما هو معادٍ للمغرب في ملف الصحراء المغربية! والسؤال الذي سيبقى للتاريخ يوماً ما مهما اقترب أو ابتعد موعد الحسم في هذا الملف هو: ماذا استفادت الجزائر من كل هذه الحروب السياسية والأمنية ضد المغرب؟ هل أخذت ولو مشروعاً واحداً لصالح المغرب وحوّلته لصالحها؟ هل في الوقت الذي أكمل فيه المغرب عجلة الإصلاح والتطور والريادة إفريقيا في التصنيع والتصدير والأمن والاستحقاقات الدولية والرياضية والتكنولوجية، غير مكترث وغير متأثر بحروب الفتن ضده، قامت الجزائر بمسار موازٍ أو حقّقت ولو القليل من التطور بعيداً عن إنتاج النفط وبيعه والاعتماد على اقتصاد بدائي لا يخدم مستقبل الدول الصاعدة في معادلة التوازنات الدولية الجادة؟
هل اعترف لهم العالم بأي فائدة فيما يخص السماح ببقاء وتنامي جماعات إرهابية لطالما تحركت في الحدود بين مخيمات تندوف التي تستضيف الصحراويين داخل الأراضي الجزائرية وموريتانيا والمغرب؟! ما علاقة التاريخ والدين والهوية في النظام الإيراني بالمصالح الجزائرية حتى تقبل الجزائر بتمويل وتسليح وتدريب إيراني لبوليساريو فوق أراضٍ جزائرية؟! هل من أجل مصالح صغار المهربين من مافيا المخدرات والسلاح والاتجار بالبشر في إفريقيا ودول الساحل خاصة دفعت الجزائر كل هذه الأثمان فقط كرهاً في المغرب واستقراره؟!
وطالما أن الخبث السياسي للنظام الجزائري لم يفلح بإيقاف عجلة الإصلاح والتطور في المغرب عامة والأقاليم الجنوبية خاصة، فبعد أن ينتهي هذا الصراع الخفي بين المغرب والجزائر في معدلات السلام القادمة في المنطقة، سيكون للرأي العام الجزائري قبل المغربي والدولي حق ومشروعية أن يعرفوا، ولو لمرة واحدة وأخيرة، ماذا استفادت الجزائر من استنزاف نفسها وشعبها ومالها لتمويل وهم الانفصال والسماح لنظام إيراني، بعيد كل البعد عن مصالح واستقرار الجزائر نفسها، بتمرير مخططات انفصالية وتسليح غير مشروع وإرهاب عابر للحدود، والبقاء على هذا الوضع سنوات؟