"عتب محب" تكشف عن أزمة صامتة بين الصدر والسيستاني بسبب الانتخابات
بغداد – بينما تترقب الأوساط السياسية العراقية إعلان النتائج الأولية للانتخابات التشريعية التي جرت أمس الثلاثاء، تفجّر سجال صامت لكنه عميق في دلالاته بين المرجعية الدينية العليا في النجف ممثلة بآية الله علي السيستاني، والتيار الوطني الشيعي بزعامة مقتدى الصدر، في مشهد يعكس احتدام الصراع على المرجعية السياسية والأخلاقية داخل الوسط الشيعي العراقي.
وقد علّق ما يُعرف بـ"وزير القائد"، صالح محمد العراقي، المقرّب من الصدر، على مقطع فيديو بثّته قناة كربلاء يظهر فيه الشيخ عبدالمهدي الكربلائي، وكيل المرجعية العليا، وهو يدعو المواطنين إلى المشاركة في الانتخابات واختيار "الأصلح" وعدم مقاطعة العملية الانتخابية، في نداء أقرب للفتوى يأتي على خلاف ما يدعو له مقتدى الصدر.
لكن هذا النداء، الذي بدا في ظاهره حثاً على الواجب الوطني، قرأه التيار الصدري بعيونٍ سياسية مختلفة، واعتبره محاولة غير مباشرة لإعادة الاعتبار للمنظومة السياسية التي يسعى الصدر إلى تفكيكها منذ انسحابه من البرلمان العام الماضي.
في منشور على حسابه بمنصة أكس (تويتر سابقا) تحت عنوان "عتب محب"، وجّه وزير الصدر خطاباً نقدياً شديد اللهجة إلى الكربلائي، قائلا إن "انتخاب الصالح في ظل نفوذ الدولة العميقة الفاسدة أمر مستبعد"، مضيفا أن "حتى الصالح سيضطر لاحقاً للتحالف مع الفاسدين لتشكيل الحكومة وتقاسم الكعكة، فينال من عدوى الفساد ما يجعله غير صالح مستقبلاً".
وفي إشارة تنطوي على عتابٍ رمزي، قال العراقي إن "الشيخ الكربلائي ربما لم يشارك في الانتخابات بنفسه، ما قد يكون دليلاً كافياً لأتباعه كي يعزفوا عن التصويت".
وهذا التبادل غير المباشر يعكس تصدّعا متزايدا داخل البيت الشيعي، بين مرجعيةٍ دينية تحرص على الظهور كصمام أمان للوحدة الوطنية، وتيارٍ سياسي – ديني يرى نفسه ممثلا لـ"النهج الإصلاحي" في مواجهة الطبقة الحاكمة التي يتهمها بالفساد والتبعية.
ويرى مراقبون أن هذا السجال لا يمكن فصله عن أجواء الانتخابات التشريعية التي جرت وسط إقبال متواضع واتهامات متبادلة بالتلاعب والتوجيه، فبينما تميل مرجعية النجف عادةً إلى تشجيع المشاركة لضمان الاستقرار السياسي، يراهن التيار الصدري على المقاطعة الجزئية لإضعاف خصومه من القوى الولائية المتحالفة مع إيران.
ويشير بعض المراقبين إلى أن ردّ التيار الصدري يعكس خشية من أن يؤدي خطاب المرجعية إلى منح شرعية جديدة للعملية السياسية التي يعتبرها الصدر "مخترقة من الفاسدين". فالصدر، الذي انسحب من البرلمان عام 2022 بعد أزمة تشكيل الحكومة، يحاول الحفاظ على موقعه كقوة احتجاجية عابرة للمؤسسات، لا كطرف مندمج في منظومة الحكم.
وفي المقابل، تُفضّل المرجعية الدينية العليا الحفاظ على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وتجنّب التصعيد العلني مع أي جهة شيعية، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى حماية العملية الديمقراطية الهشة التي ترى فيها سبيلاً وحيداً لتجنيب العراق العودة إلى الفوضى أو الاحتراب الأهلي.
ويرى محللون أن منشور وزير القائد ليس مجرد عتاب، بل رسالة سياسية مزدوجة: الأولى موجهة للداخل الشيعي بأن الصدر لن يمنح شرعية مجانية لأي عملية انتخابية لا تضمن "إصلاحاً حقيقياً"، والثانية موجهة إلى المرجعية لتذكيرها بأن "القدسية الدينية لا تعفيها من مسؤولية الصمت إزاء الفساد".
وبينما تلتزم مرجعية النجف الصمت حيال الجدل الدائر، يترقّب الشارع الشيعي نتائج الانتخابات التي يُنتظر أن تُعلن خلال الساعات القادمة، وسط توقعات بأن تفرز خريطة سياسية جديدة قد تعيد إشعال الصراع بين التيار الصدري وخصومه في "الإطار التنسيقي".
وبذلك، تتحول الانتخابات الأخيرة إلى ساحة اختبار جديدة للعلاقة الحساسة بين الديني والسياسي في العراق؛ فبينما تحاول المرجعية ضبط إيقاع التوازن، يسعى التيار الصدري إلى فرض معادلة جديدة تُقصي "القديم الفاسد"، وتُعيد تعريف "الشرعية الشيعية" بمعايير وطنية لا مذهبية.
ومهما تكن النتائج، يبدو أن السجال بين النجف والحنانة (مقر إقامة مقتدى الصدر) يفتح فصلا جديدا من التوتر الصامت في المشهد الشيعي العراقي، عنوانه الأبرز: من يملك حق النطق باسم الشيعة... ومن يملك شرعية إنقاذ العراق؟