العيد الـ54 للاتحاد بالإمارات قصة نجاح بين ذاكرة التأسيس ورهانات المستقبل

الاحتفال بعيد الاتحاد الـ54 بالإمارات يتحول كل عام إلى رمزية لتجديد الثقة بين الشعب وقيادته، وتأكيدا على أن بناء الدولة مشروع يستمر من جيل إلى جيل.

أبوظبي – لا يعتبر احتفال الإماراتيين بالعيد الـ54 للاتحاد مجرد مناسبة وطنية تستعيد فيها الإمارات صفحات من تاريخ التأسيس فقط، بل هو لحظة قراءة لحالة دولة بنت مؤسساتها من الصفر ورسّخت هويتها ونجحت في التحول من اقتصاد ريعي محدود الإمكانات إلى منظومة اقتصادية ودبلوماسية متكاملة ارتقت بها إلى مصاف الشركاء الدوليين المؤثرين. فمن السلف إلى الخلف، من الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، يبدو المسار الإماراتي مثالاً لمدرسة حكم تحتفظ بجوهر رؤيتها وتحدّث أدواتها، بحيث تتقدم إلى المستقبل دون القطيعة مع جذورها. وهذا الوعي بالاستمرارية يجعل الاحتفال بالاتحاد مناسبة تحتفي بالماضي وتبني الحاضر وتخطط للمستقبل في آن واحد.

أسّس الراحل الشيخ زايد نموذجا استثنائياً في إدارة التحول من تجمعات قبلية متباعدة إلى دولة اتحادية حديثة تستند إلى مؤسسات دستورية وإدارية مستقرة. لم تكن رؤيته إنشائية فحسب، بل قامت على بناء منظومة اجتماعية وثقافية قوامها التسامح واحترام التنوع والاستثمار في الإنسان بوصفه أساس التنمية. ومع تشييد المدارس والمستشفيات والطرق والبنية التحتية ومؤسسات الدولة الوليدة، وضعت الإمارات قاعدة صلبة لانتقالها لاحقاً إلى دولة حديثة ذات رؤية تنموية شاملة.

مع الشيخ محمد بن زايد، انتقل المشروع الاتحادي من مرحلة التأسيس وترسيخ البنية المؤسسية إلى مرحلة بناء القوة الشاملة للدولة، عبر تطوير أدوات الحكم وتحديث آليات اتخاذ القرار. وقد تبنّى رؤية تقوم على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، وفتح آفاق جديدة أمام قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، مع إعادة صياغة مفهوم التنمية بحيث يصبح مشروعاً وطنياً متكاملاً يجعل المستقبل هو محور العمل الحكومي.

وفي هذا السياق، جاءت رؤية الشيخ محمد بن زايد لتشكل امتداداً طبيعياً لنهج الشيخ زايد، لكنها في الوقت ذاته ارتقت به إلى مستوى يليق بتحديات عصر متغيّر سريع الإيقاع، فقد اعتمد رؤية تنموية طموحة تربط بين بناء اقتصاد معرفي، وتطوير التعليم والبحث العلمي، وتحديث المنظومات الإدارية والتشريعية، وإيجاد بيئة جاذبة للمواهب والاستثمارات. هذه الرؤية العملية لا الخطابية جعلت الإمارات واحدة من الدول الأكثر تقدماً وابتكاراً في المنطقة، وجعلت مؤسساتها نموذجاً يُحتذى في الكفاءة والحوكمة وجودة الحياة.

وعلى المستوى السياسي والدبلوماسي، رسّخ الشيخ محمد بن زايد موقع الإمارات لاعباً إقليمياً ودولياً مؤثراً عبر مقاربة متوازنة تقوم على الحوار وبناء الجسور وتعزيز الشراكات. هذا التوازن بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية الفاعلة، وبين الارتباط بالجذور والانفتاح على المستقبل، جعل الإمارات نموذجاً لدولة صغيرة بحجم الجغرافيا، كبيرة بحجم التأثير. وهكذا أصبحت رؤيته تتويجاً طبيعياً لمسار بدأه الشيخ زايد قبل أكثر من خمسة عقود، مسار جعل من الإمارات تجربة نهضة وتنمية واستقرار تستقطب اهتمام العالم.

ويُعد التحول الاقتصادي أحد أبرز مظاهر القراءة التحليلية لمسار الإمارات، فمن دولة تعتمد على النفط كمورد أساسي، أصبحت اليوم اقتصاداً متنوعاً يقوده الابتكار والخدمات المتقدمة والطاقة النظيفة والقطاعات المعرفية، فقد تمكنت من بناء منظومة اقتصادية متماسكة تشمل الموانئ العالمية، وشركات الطيران الكبرى، والمناطق الحرة، ومبادرات الاحتضان التكنولوجي، وأسواق المال، والصناعات المتقدمة.

وهذا التنوع ليست غايته اقتصاديّة بحتة، بل هو جزء من رؤية استراتيجية لبناء دولة قادرة على المنافسة في الاقتصاد العالمي الجديد، وإدارة مواردها بفاعلية، والتحول إلى مركز دولي تستقطب إليه الشركات والابتكارات ورؤوس الأموال.

وقد أثبت مشروع الإمارات الفضائي وفي مقدّمته "مسبار الأمل"، أن الدولة تمتلك القدرة على الانتقال من الاستهلاك المعرفي إلى إنتاج المعرفة، فالاستثمار في الفضاء والعلوم المتقدمة، وإن بدا للبعض مغامرة، إلا أنه تعبير عن رؤية تسعى إلى جعل الإمارات جزءاً من السباق العالمي في الابتكار والتكنولوجيا، وتحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد قائم على البحث والتطوير.

وشهدت الدبلوماسية الإماراتية توسعاً ملحوظاً جعل الدولة واحدة من أبرز الفاعلين في ملفات السلام والحوار الإقليمي والدولي، فمن اتفاقيات إبراهيم، إلى مبادرات الوساطة، إلى المشاركة الفاعلة في جهود الإنسانية والإغاثة، نسجت الإمارات شبكة شراكات واسعة مع القوى الكبرى والاقتصادات الصاعدة، ورسخت موقعها شريكاً موثوقاً في الأمن والطاقة والتجارة والاستثمار.

واعتمدت الدولة على قيم الانفتاح والتسامح لبناء مجتمع متعدد الثقافات يستند إلى منظومة قانونية ومدنية تحفظ الحقوق وتعزز الانسجام. وقد أصبحت الإمارات نموذجاً عالمياً للتعايش بين أكثر من 200 جنسية، ومختبراً اجتماعياً لاقتصاد عالمي يقوم على حركة الأفكار والمواهب والفرص.

حجر الزاوية في قصة النجاح

ومن أبرز محددات صلابة التجربة الإماراتية علاقتها المتينة بين القيادة والشعب، فالقرب من الناس، والاستجابة لمتطلباتهم، وتقديم الخدمات بجودة عالية، وتوفير بيئة مستقرة وآمنة، كلها عوامل ساهمت في تلاحم وطني جعل مشروع الاتحاد مشروعاً جماعياً لا نخبوياً. لذلك يتحول الاحتفال بالاتحاد كل عام إلى رمزية لتجديد الثقة بين الشعب وقيادته، وتأكيدا على أن بناء الدولة مشروع يستمر من جيل إلى جيل.

وتولي الإمارات الذكاء الاصطناعي مكانة محورية ضمن رؤيتها لصناعة المستقبل، إدراكاً منها أن الاقتصادات الصاعدة في القرن الحادي والعشرين ستُبنى على التكنولوجيا المتقدمة والابتكار الرقمي. فقد تبنت الدولة استراتيجيات شاملة تهدف إلى دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، من الخدمات الحكومية والصحة والتعليم، إلى الطاقة والنقل والأمن السيبراني.

ويأتي إنشاء منصب وزير للذكاء الاصطناعي وتأسيس جامعة متخصصة في هذا المجال، وتطوير بنية بحثية وتشريعية داعمة، كجزء من تصور طويل المدى يجعل الإمارات مركزا إقليميا وربما دوليا في تقنيات المستقبل. هذا الاستثمار لا يهدف فقط إلى تحسين الأداء الحكومي أو رفع كفاءة الاقتصاد، بل إلى بناء نموذج تنموي قادر على خلق فرص جديدة، وجذب المواهب، وتحويل التكنولوجيا إلى رافعة حقيقية للنمو والاستدامة.

وتضع الإمارات الاستثمار في رأس المال البشري في صميم مشروعها الوطني، إدراكاً منها أن الثروة الحقيقية لأي دولة ليست في مواردها الطبيعية بل في قدرات أبنائها. ولذلك ركّزت سياساتها التنموية على بناء إنسانٍ قادر على المنافسة في اقتصاد عالمي متغير، من خلال تطوير التعليم، وتوسيع برامج الابتعاث، واستقطاب أفضل الخبرات، وتعزيز بيئات الابتكار والبحث العلمي. ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية تعتبر بناء المعرفة وتمكين الكفاءات ركيزة أساسية لاستدامة النمو وتعزيز موقع الدولة بين الاقتصادات المتقدمة.

وفي موازاة ذلك، أولت القيادة رفاه المواطن أولوية قصوى، وجعلت جودة حياته جزءاً لا يتجزأ من أمنها واستقرارها ونجاح نموذجها التنموي، فقد طورت منظومة خدمات شاملة تشمل السكن، والرعاية الصحية، والدعم الاجتماعي، وفرص العمل، والمرافق المجتمعية المتقدمة، مع تحديث مستمر للبنية التشريعية لضمان حياة كريمة وآمنة ومستقرة. هذا الربط بين الاستثمار في الإنسان والاهتمام برفاهيته خلق علاقة ثقة راسخة بين المجتمع والدولة، ورسّخ نموذجاً تنموياً يقوم على أن المواطن ليس متلقياً للسياسات، بل شريكاً في صياغة مستقبل الإمارات.

وعند قراءة مسار الإمارات في عيدها الـ54، يتضح أن الدولة لا تحتفل بتاريخ منجز فقط، بل بمسار متجدد يصنع مستقبلاً مختلفاً. فمن بناء المؤسسات الأولى، إلى الاقتصاد الرقمي والمشاريع العلمية الكبرى، مروراً بدور دولي فاعل وشراكات عالمية واسعة، تبدو الإمارات العربية المتحدة وهي تدشن مرحلة ما بعد الخمسين كدولة تصنع قصة نجاح متواصلة تتقدم بثقة نحو المستقبل.