'الراية الدامية مرفوعة' بين دهاليز السلطة وعوالم الجريمة

رواية الكاتب بنيامين ديرشتاين تعد بناء سرديا بانوراميا وحرفياً للغاية يعيد تشكيل السنوات بين 1978 و1984 في فرنسا كاشفا بمهارة عن التشابك العضوي بين صراع الأجهزة الأمنية، هشاشة الخطاب السياسي، وعالم الجريمة المنظمة، ومانحاً القارئ فهما عميقا لروح حقبة مضطربة.

أهدتني إحدى طالباتي المتفوقات رواية "الراية الدامية مرفوعة" L’étendard sanglant est levé للكاتب الفرنسي "بنيامين ديرشتاين". قدّمتها لي بشغف لا يخلو من تلك اللمعة التي تظهر في عيني قارئ شاب اكتشف للتو عمق الأدب حين يلامس التاريخ الحي. كانت تحملها بيديها كما لو كانت تحمل زمنا كاملا لا كتابا فحسب. قالت إنها تريدني أن أقرأها لأني أفهم جيدا ما تحت الكلمات، ثم ابتسمت وذهبت.

منذ اللحظة الأولى قرأت العمل بوصفه أكثر من مجرد امتداد لرواية "زرق، بيض، حمر" Bleus, Blancs, Rouges، قرأته كرحلة فكرية تمتحن قدرتنا على استيعاب زمن كامل، زمن تتداخل فيه السياسة والأمن والإعلام والجريمة، وتتقاطع فيه الذوات البشرية الهشّة مع آلات الدولة الضخمة التي تبتلع الأفراد ثم تعيد قذفهم في دوامة يومية لا نهاية لها.

يعيد هذا الجزء الثاني بناء السنوات الممتدة بين 1978 و1984، لا كتوثيق جامد، لكن كسرد حيّ يتنفس عبر شخصياته، ويجعل من تفاصيل الحقبة لوحة معلّقة على جدار الذاكرة الجماعية لبلد يتغير في صمت وضجيج في آن واحد. أحسست أثناء قراءته أن الكاتب يقود قارئه إلى أعماق طبقات المجتمع، طبقة بعد أخرى، حتى يصبح المشهد أشبه بمسرح كبير يتحرك فيه رجال شرطة منهكون، ووزراء يصوغون استراتيجياتهم كما لو كانوا لاعبي شطرنج، ومناضلون يندفعون بحماسة تنقلب أحيانا إلى تهوّر، ووجوه غامضة تتحرك في الظلال، تعيد صياغة مسار الأحداث من خلف الستار.

عام 1980، كما تظهره الرواية، ليس مجرد سنة في تقويم سياسي، وإنما نقطة غليان تتشابك فيها القوى المتناقضة: ينفجر إرهاب محلي على التراب الفرنسي، عصابات تتنازع النفوذ، مجموعات تسعى إلى الحكم الذاتي، أجهزة أمنية تتنافس بشراسة، ومعارك إعلامية تتلاطم في فضاء عام متوتر. يمسك السرد بهذه العقد المتشابكة، يحركها بمهارة، ويجعل الحدود بين العوالم تتلاشى. الانتقال من مقهى ليلي إلى مكتب وزير، من غرفة استماع لأجهزة داخلية إلى منصة مؤتمر صحفي، من شقة متواضعة إلى دهاليز السلطة، ليس انتقالا مكانيا فقط؛ إنه تحوّل في زاوية النظر، كأن القارئ يلهث خلف الحقيقة المحجوبة التي يتنازع عليها الجميع.

الكلمة التي تتصدّر هذا الصراع كله هي الأمن. ليست مفهوما تقنيا، بل ساحة معركة فعلية. لغة السياسيين، الإحصاءات الجنائية، الاتهامات المعلّبة، الوعود الصارمة، كلها مواد خام تدور في طاحونة السرد. تكشف الرواية كيف تُنتَج الحقيقة داخل فضاء عمومي مضطرب، وكيف تتحول الوقائع إلى مواد قابلة للنحت والتلوين. إنها عملية لا تخلو من الهزل القاتم، إذ تفضح الرواية هشاشة الخطاب السياسي السريع الغضب، المتقلب بين التهويل والتبرير، والمتعطش إلى صناعة عدو دائم.

ولأن الأمن لا ينفصل عن من يتولونه، يذهب النص إلى ما يسمى بحرب الأجهزة. ليست منافسة بيروقراطية عابرة، لكنها صراع سلطوي يعرّي طبيعة المؤسسات حين تُختبر بالرغبة في السيطرة. يظهر العالم الأمني هنا بكل شعاراته واختصاراته وإيقاعه الداخلي، بتوتراته الصغيرة التي تتناسل من الغيرة والشك والطموح، وبعملياته الحدّية التي تُشرعنها مصلحة الدولة. يطفو الحضور البشري في قلب هذه الآلة بوضوح: الإنهاك، الانكسارات، العلاقات التي تتشقق، الأجساد التي تدفع الثمن، والمسارات المهنية التي يمكن أن تنهار في لحظة واحدة. في خلفية المشهد، يتسع الشرخ بين الشرطة والسياسيين والشباب والمجتمع، وكأن الرواية تشير إلى تصدعات لا تزال تتردد حتى أيامنا.

وسط ذلك كله، يعود القارئ إلى الشخصيات التي تعلّق بها في الجزء الأول: جاكي، ماركو، غورف، فوتيي. لا يقدَّمون بوصفهم أبطالا منقذين، بل ككائنات تحاول التمسك بروتين يومي يقيها الانهيار. صداقاتهم هشة، علاقاتهم تتصدع، وحدتهم تتسرب إليهم كحمض بطيء يلتهم ما تبقى من يقين. كثيرا ما تنهزم محاولات الاقتراب من الآخر أمام ضغط الزمن الأمني، حيث الاستنفار الدائم يحوّل المشاعر إلى ترف غير ممكن.

على الجانب الآخر، يتكشّف عالم الجريمة المنظمة، ذلك العالم الذي يخلط بين البريق والتعفن: شبكات دعارة فاخرة، تجارة مخدرات، عمليات تبييض أموال. المال هنا له رائحة، يتحرك عبر مسارات معتمة، تتقاطع أحيانا مع السياسي، لا على سبيل الصدفة، بل بوصفه تداخلا عضويا. لا ترفع الرواية أصبع الاتهام، وإنما تكشف التماسّ المثير للقلق بين دوائر القرار ودوائر الجريمة، حيث لا تُرسم الحدود بالحبر، وإنما بصلابة النفوذ.

ينبض الزمن الروائي بالموسيقى، بتفاصيل الحياة اليومية، بالمسلسلات التي تحتل الشاشة، بباريس التي تتشكل بين دخان السجائر وأضواء المقاهي ومذاقات الثمانينيات. يجعل هذا الاشتغال الدقيق على الذاكرة المادية للحقبة القارئ يشعر بأنه يعيد اكتشاف سنوات لم يعشها ربما، لكنه يلمسها كما لو أنها قريبة من جلده.

أسلوب الكاتب شديد القرب من لغة الصورة. يتحول مشهد واسع فجأة إلى لقطة ضيقة، وتنفتح إيماءة صغيرة لتكشف عن بنية اجتماعية كاملة. يخلق هذا التلاعب بكاميرا السرد متعة خاصة؛ يمكن أن يصبح كل تفصيل فيما بعد مفتاحا لفهم أعمق. وفي هذا الامتداد السردي الذي يتجاوز تسعمئة صفحة، لا يشعر القارئ بأن النص مترهل؛ كل مشهد يؤدي وظيفة محددة، كل انتقال محسوب، وكل عنف مرسوم بحساسية تجعل القارئ مترددا بين النفور والإعجاب.

ليست السخرية التي تتخلل الرواية للضحك، ولكن لتثبيت بوصلة أخلاقية. يجرّد النص السياسيين من غلافهم الانفعالي، يكشف اللغة المتخشبة، الاستعراض، الغرور، توظيف الخوف لتحقيق مكاسب. لكنها سخرية هادئة، تعمل كعدسة تكشف ما يُخفى دون أن ترفع صوتها.

من منظور معماري، هذه الرواية بناء شديد الدقة، يحكمه منطق تعدد الأصوات. تتناوب وجهات النظر، تتقاطع القصص، تتشابك الخيوط دون أن تتعثر، وتترك للقارئ مهمة حمل شذرات التفاصيل حتى يتضح له، في لحظة مؤجلة، منطق الصورة الكبرى. يكرّس هذا النوع من السرد متعة الفهم التدريجي، المتعة التي يشعر بها القارئ حين يدرك أن ما ظنه عابرا كان أساسيا.

يغمر هذا النص قارئه بعرض بانورامي لمرحلة انتقالية في التاريخ الفرنسي، من أواخر عهد جيسكار ديستان إلى بدايات حقبة فرانسوا ميتران. الأمن، السياسة، الإرهاب، النزاعات العالمية، انتشار المخدرات، التغيّر الثقافي في ليل باريس، كلها تتداخل في رواية تمسك بروح الحقبة دون أن تتحول إلى مجرد وثيقة. إنها رواية تعيد للقصّ مكانته، وتذكّر بأن الأدب، حين يُحسن الإصغاء للتاريخ، قادر على تقديم ما يعجز عنه أي تقرير أو بحث أكاديمي.

وهكذا، أدركت وأنا أطوي آخر صفحات من هذه الرواية أن الطالبة التي أهدتني هذا العمل لم تهدني رواية فحسب، وإنما قدّمت لي بوابة إلى فهم أكثر عمقا للعلاقة المعقّدة بين الدولة والمجتمع، بين الحقيقة والخطاب، بين الإنسان وظلال السلطة. إنها رواية كتبت بحرفية عالية، تفتح قراءتها شهية الفكر.