جغرافيا التعب وسؤال الكرامة الإنسانية بين جنيف ودبي في 'العالَم متعَب'
يمكنني إدراج رواية "العالَم متعَب" Le monde est fatigué لجوزيف إنكاردونا ضمن سرديات النقد الاجتماعي المعاصر التي تتخذ من الأدب أداة لتفكيك البنى الرمزية والاقتصادية للعالم النيوليبرالي. لا تقود قراءة هذه الرواية إلى متعة جمالية فقط، إذ تفرض على القارئ اشتباكا معرفيا مع منظومة قيم تعيد إنتاج العنف بصيغ ناعمة، وتحول الأجساد والذوات إلى مواقع للاستثمار والتقييم. يكتب إنكاردونا عن عالم متعَب بوصفه تعبيرا عن اختلالات بنيوية في نظام يستهلك الإنسان ويطالبه في الوقت نفسه بالتماسك والاستمرارية.
تؤدي الكتابة الروائية في هذا النص وظيفة تشخيصية تقترب من المنهج النقدي، حيث يجري تفكيك العلاقات بين الرأسمال، والجسد، والتمثيل، والسلطة. لا تتخذ اللغة موقع الحياد، فهي مشحونة بموقف أخلاقي ومعرفي واضح، وتعمل على كشف آليات التشييء التي تحكم المجتمع المعاصر. لا يظل الاقتصاد في خلفية السرد، إذ يتغلغل في أدق تفاصيل الحياة، ويعيد تعريف القيمة الإنسانية وفق منطق الأداء والربحية والقدرة على الامتثال للمعايير السائدة.
تمثل شخصية "إيف" في هذا السياق نموذجا تحليليا بالغ الدلالة. يتحول جسدها المعاد تركيبه بعد حادث عنيف إلى نص مفتوح للقراءة من زوايا متعددة، تشمل النقد النسوي، والفلسفة الجسدية، وسوسيولوجيا الاستهلاك. لا يُقدَّم هذا الجسد بوصفه موقع شفاء، بل يظهر كحقل صراع بين ما يفرضه المجتمع من صور مثالية وما تختبره الذات من هشاشة وذاكرة ألم. لا تُعرض إعادة التشكيل الجسدي كتحرر من النقص، إذ تُفهم كامتداد لمنطق السيطرة التقنية على الجسد، حيث يُعاد إنتاج العنف في صورة تحسين وتصحيح.
يعمّق عمل إيف كحورية في فضاءات الرفاهية هذا المسار التحليلي. يتحول العرض الفني إلى طقس استهلاكي، والتجربة الجمالية إلى منتج فاخر، والجسد إلى وسيلة لإشباع رغبة محكومة بسياق طبقي صارم. يتحول الماء، الذي يُفترض أن يكون فضاء للتحرر، إلى مسرح مغلق تُراقَب فيه الحركة وتُقاس القيمة وفق استجابة الجمهور. يكشف النص تحت هذا السطح اللامع، فراغا دلاليا يعكس أزمة المعنى في مجتمعات الوفرة، حيث تُستبدل التجربة الحقيقية بمحاكاة مدروسة.
يمكن قراءة هذه الرواية باعتبارها مساءلة مباشرة للنيوليبرالية كنظام شامل لا يكتفي بتنظيم السوق، إذ يعيد تشكيل الرغبة، والهوية، والعلاقة بالذات. لا يظهر التفاوت الاجتماعي فقط في توزيع الثروة، وإنما في توزيع القدرة على التعاطف، وعلى الاعتراف، وعلى الوجود خارج منطق النجاح المفروض. تؤدي الشخصيات الثانوية، إلى جانب الفضاءات الجغرافية المتعددة، دورا بنيويا في إبراز هذا الاختلال، حيث يتحول العالم إلى شبكة من المواقع التي تعيد إنتاج المنطق نفسه بصيغ متنوعة.
لا يُقرأ التنقل بين جنيف وباريس وطوكيو والمحيط الهادئ ودبي كتقنية سردية فحسب، وإنما يُفهم كاستراتيجية نقدية تكشف الطابع العالمي للأزمة. تمثل كل مدينة تجليًا مختلفًا للحداثة المتأخرة: جنيف بوصفها مركزا للثروة المستقرة، باريس كواجهة ثقافية تخفي استعراض الحياة، طوكيو كمجال للذاكرة والضغط الاجتماعي، المحيط الهادئ كأرشيف مادي للكارثة البيئية، ودبي كنموذج أقصى لتشييد الوهم عبر الأرقام والضخامة. يتحول المكان هنا إلى خطاب وإلى أداة تحليل اجتماعي.
يحتل البعد النسوي في الرواية موقعا مركزيا في البناء الدلالي. يكشف جسد إيف، الخارج عن المعايير، عن عنف نظري وعملي يُمارَس على النساء حين لا يتوافقن مع النموذج السائد. تُعرض الرغبة كمنظومة مشروطة لا كحالة حرة، وتخضع الإيروتيكية لضبط اجتماعي صارم يخدم سلطة ذكورية متخفية خلف خطاب الإعجاب والطلب. يمنح وعي إيف بهذا الدور، وقدرتها على تسميته والسخرية منه، الشخصية بعدا نقديا يتجاوز موقع الضحية، ويضعها في موقع المراقِبة والمفكِّكة.
يعتمد إنكاردونا على مستوى الأسلوب، اقتصادا لغويا دقيقا، حيث تتجاور الكثافة الشعرية مع الجملة التحليلية، ويتناوب الإيقاع بين التباطؤ التأملي والتكثيف الحاد. يخدم هذا التوتر الأسلوبي المشروع النقدي للرواية، لأنه يمنع القارئ من الاستقرار في موقع استهلاكي مريح، ويدفعه إلى مواجهة الأسئلة التي يطرحها النص حول المشاركة، والتواطؤ، واللامبالاة.
ورغم الطابع القاتم للتشخيص، لا تنتهي الرواية إلى العدمية. تُقدَّم المقاومة بوصفها قدرة فردية على الاستمرار الواعي، لا خطاب خلاص جماعي. لا تنتصر إيف على النظام، لكنها ترفض أن تُختزل داخله. يحمل هذا الرفض، مهما بدا محدودا، قيمة أخلاقية ومعرفية، ويعيد الاعتبار لفكرة الكرامة في عالم يعمل على إفراغها من مضمونها.
يمكن القول إن رواية "العالَم متعَب" تحقق توازنا بين السرد الأدبي والتحليل الاجتماعي من دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية. يؤدي النص وظيفة مرآة نقدية للحداثة المتأخرة، ويقترح على القارئ موقعا تأمليا مسؤولا، حيث تصبح القراءة فعل مساءلة للذات قبل أن تتحول إلى حكم على العالم. تمنح هذه القدرة على الجمع بين الجمالية والصرامة الفكرية، الرواية قيمة نقدية عالية، وتفتحها على قراءات أكاديمية متعددة، تمتد من دراسات الجسد إلى نقد الرأسمالية الثقافية.