مصر تتمسك بوحدة السودان وإنهاء القتال
القاهرة – انتقلت القاهرة إلى مرحلة "الحسم الدبلوماسي" في الملف السوداني، بإعلانها رسمياً عن "خطوط حمراء" لا تقبل التهاون، مؤكدة أن أمن السودان ووحدة أراضيه جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. وجاء هذا الموقف في أعقاب قمة حاسمة عقدت في القاهرة اليوم الخميس، بين الرئيس عبدالفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، في مستهل زيارة رسمية تعكس اعترافاً مصرياً صريحاً بالشرعية المطلقة للمؤسسات الوطنية السودانية.
ويعكس هذا التحول إدراكاً مصرياً بأن الصراع في الجارة الجنوبية قد تجاوز حدود النزاع الداخلي، ليتحول إلى تهديد وجودي يمس العمق الاستراتيجي لمصر، خاصة في ظل استمرار المعارك الضارية وتفاقم المآسي الإنسانية في الفاشر وولايات كردفان.
بوصلة الأمن القومي: الماء والمؤسسات
وتضع القاهرة استقرار مؤسسات الدولة السودانية في كفة، وأمنها المائي في الكفة الأخرى، حيث ترى أن أي ضعف في بنية الدولة الوطنية بالخرطوم قد يفتح الباب لواقع سياسي يضر بحصة مصر والسودان في مياه النيل، أو يمنح أطرافاً إقليمية فرصة لفرض سياسة الأمر الواقع في ملف "سد النهضة".
وعلى الصعيد الأمني، تواجه مصر ضغوطاً ديموغرافية ولوجستية هائلة جراء موجات النزوح المليونية، ما دفعها للتحذير من مغبة انهيار المنظومة الأمنية على الحدود المشتركة الممتدة لأكثر من 1200 كم، منعاً لتحولها إلى ممرات لتجارة السلاح أو تسلل العناصر المتطرفة، وهو استنزاف ترفض القاهرة استمراره لميزانية الأمن والدفاع.
وفي رسالة شديدة اللهجة، عبرت الرئاسة المصرية عن قلقها البالغ إزاء "المذابح المروعة" بحق المدنيين، مشددة على رفضها القاطع لإنشاء أو الاعتراف بأي "كيانات موازية" للجيش السوداني، معتبرة أن الحفاظ على المؤسسة العسكرية ووحدة التراب السوداني "خط أحمر" يحظر تجاوزه أو العبث به.
التلويح بـ"الدفاع المشترك"
ولم تكتفِ القاهرة بالتحذير السياسي، بل لوّحت بحقها الكامل في اتخاذ كافة التدابير التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية "الدفاع المشترك" مع السودان لضمان حماية هذه الخطوط الحمراء، في إشارة واضحة إلى استعدادها للتحرك الفعلي إذا ما انزلقت الأوضاع نحو التقسيم أو الفوضى الشاملة.
وبالتوازي مع لغة القوة، أكدت القاهرة تمسكها بالحلول السياسية عبر "الرباعية الدولية"، داعية إلى تنفيذ هدنة إنسانية تقود لوقف دائم لإطلاق النار وإنشاء ممرات آمنة للمدنيين، بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة الشرعية، لإنهاء معاناة الشعب السوداني الذي دفع فاتورة باهظة للحرب منذ أبريل/نيسان 2023، تمثلت في مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 13 مليون شخص.
وتأتي زيارة البرهان إلى القاهرة في وقت تتصاعد فيه الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عدة أنحاء بالبلاد. وتشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب)، اشتباكات ضارية بين الجيش والدعم السريع منذ أسابيع، أدت إلى نزوح عشرات الآلاف في الآونة الأخيرة.
وتسيطر "الدعم السريع" على ولايات دارفور الخمس غربا، باستثناء أجزاء من شمال دارفور التي لا تزال تحت سيطرة الجيش، الذي يفرض نفوذه على معظم الولايات الـ13 المتبقية، بما فيها العاصمة الخرطوم.