حين يمطر القرار قبل السماء: المغرب ونموذج الأمن المائي في زمن التحولات المناخية
في منطقة تعدّ من أكثر مناطق العالم هشاشة مائيًا، حيث الجفاف أصبح القاعدة لا الاستثناء، وحيث الماء يتحول تدريجيًا إلى عنصر استقرار أو اضطراب، يشقّ المغرب مسارًا مختلفًا، يقوم على الاستباق بدل ردّ الفعل، وعلى بناء القرار قبل انتظار الغيث، فبعد سبع سنوات من الجفاف المتواصل، جاءت الأمطار الأخيرة لتؤكد حقيقة استراتيجية كبرى:
المغرب لم ينجُ من أزمة الماء بفضل التساقطات وحدها، بل بفضل رؤية ملكية بعيدة المدى جعلت من الأمن المائي ركيزة من ركائز السيادة الوطنية.
من الندرة إلى التخطيط: فلسفة مغربية خاصة
في كثير من دول المنطقة، لا تزال السياسات المائية رهينة منطق الطوارئ. أما في المغرب، فقد جرى التعامل مع الماء باعتباره قضية وجودية طويلة الأمد، تستدعي تخطيطًا هيكليًا واستثمارًا مستمرًا، حتى في غياب الأزمات الظاهرة.
هذه المقاربة، التي قادها العاهل المغربي الملك محمد السادس، قامت على مبدأ واضح: لا تنمية بلا ماء، ولا استقرار بلا أمن مائي. ومن هنا، لم يكن الجفاف مفاجئًا لصانع القرار المغربي، بل سيناريو متوقعًا جرى التحضير له مبكرًا.
سياسة السدود: رهان استراتيجي أثبت صوابه
ويُعدّ المغرب من أوائل الدول في العالم النامي التي راهنت على سياسة السدود بشكل منظم ومستمر. واليوم، مع عودة الأمطار وامتلاء عدد من السدود في زمن قياسي، يتأكد أن هذا الخيار لم يكن مجرد استثمار في البنية التحتية، بل استثمار في الاستقرار، فالسدود: حمت المدن الكبرى من العطش وأمّنت الماء الشروب لملايين المواطنين ومكّنت من امتصاص صدمة الجفاف الطويل دون انهيارات اجتماعية. وفي منطقة كثيرًا ما تحوّل فيها نقص الماء إلى عامل توتر، قدّم المغرب نموذجًا هادئًا وفعّالًا في إدارة الندرة.
إعادة هندسة الجغرافيا المائية
أحد أكثر عناصر النموذج المغربي تميّزًا يتمثل في مشروع الربط بين الأحواض المائية، وهو خيار نادر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. هذا المشروع عكس تحوّلًا عميقًا في التفكير: من الخضوع للتوزيع الطبيعي للأمطار، إلى إعادة توزيع الماء وطنيًا وفق الحاجيات.
وبذلك، انتقل المغرب من منطق "أحواض غنية وأخرى فقيرة" إلى منطق التضامن المائي الوطني، وهو ما مكّن من إنقاذ مدن استراتيجية وضمان استمرارية التزود بالماء في أحلك الظروف.
تحلية مياه البحر: السيادة خارج رهانات المناخ
في ظل التحولات المناخية العالمية، اختار المغرب أن يؤسس لاستقلاله المائي عبر تحلية مياه البحر، ليس كحل اضطراري، بل كخيار استراتيجي طويل الأمد.
وبتوجيهات ملكية واضحة، أصبحت التحلية: ركيزة للأمن المائي الحضري ومرتبطة بالطاقات المتجددة ومحرّرة للقرار المائي من تقلبات المناخ.
ونجاح تجربة أكادير، وإطلاق مشاريع كبرى في الدار البيضاء والداخلة، يعكسان طموحًا واضحًا: ضمان الحق في الماء كحق سيادي غير قابل للمساومة.
الأمطار الأخيرة: لحظة تأكيد لا مفاجأة
الأمطار التي شهدها المغرب مؤخرًا لم تكن حدثًا استثنائيًا بقدر ما كانت لحظة تأكيد. فقد أثبتت أن:
البنية التحتية كانت جاهزة ومنظومة التخزين اشتغلت بفعالية والاختيارات الاستراتيجية أثمرت في الوقت المناسب.
ولو جاءت هذه التساقطات دون هذه الاستعدادات، لتحولت إلى سيول عابرة بدل أن تصبح رصيدًا مائيًا للمستقبل.
دروس إقليمية من التجربة المغربية
وفي سياق إقليمي يتسم بتزايد الضغوط المناخية والديمغرافية، يقدم النموذج المغربي ثلاث رسائل أساسية لدول المنطقة:
الأمن المائي يبدأ بالقرار السياسي قبل الحلول التقنية
الاستباق أقل كلفة من الطوارئ
تنويع مصادر الماء هو مفتاح السيادة والاستقرار
إنها تجربة تؤكد أن التعامل الذكي مع الندرة يمكن أن يحوّلها من تهديد إلى فرصة.
نموذج يُحتذى
وما يميّز التجربة المغربية ليس فقط قدرتها على الصمود أمام الجفاف، بل قدرتها على التخطيط للمستقبل، ففي زمن اللايقين المناخي، لم ينتظر المغرب أن تمطر السماء، بل أمطر القرار أولًا. وهكذا، تحوّلت الأمطار من اختبار صعب إلى شهادة نجاح، وأصبح الأمن المائي أحد أعمدة النموذج المغربي في الاستقرار والتنمية. إنه نموذج يستحق أن يُقرأ، ويُدرَس، ويُلهم.