كيف حول ساركوزي زنزانته إلى ورشة لاستعادة الكرامة؟

كتاب 'يوميات سجين' يستعرض تجربة الرئيس الفرنسي السابق في سجن 'لا سانتيه' كرحلة 'خلاص روحي' حيث يحوّل الاخير معاناته اليومية وتفاصيل اعتقاله إلى سردية أدبية تتداخل فيها الوقائع مع الاستعارات الدينية والتاريخية لإعادة بناء صورته كإنسان ورجل دولة.

منذ الصفحات الأولى من كتابه "يوميات سجين" Le journal d'un prisonnier، يحرص نيكولا ساركوزي على نزع الوهم عن القارئ، يفهمه أن ما بين يديه ليس عملا تخييليا. ومع ذلك، فإن المفارقة المؤلمة تكمن هنا تحديدا؛ فلو كان هذا النص رواية، لكان احتمال تحمّله أيسر. غير أن كونه شهادة مباشرة يجعل كل سطر أثقل، وكل جملة أكثر التصاقا بالأعصاب.

تؤدي العبارة الافتتاحية، البسيطة في ظاهرها -استيقظت مبكرا جدا صباح الثلاثاء 21 أكتوبر 2025- وظيفة خادعة. إنها بداية هادئة تشبه تلك التي نجدها عند بروست، لكنها لا تفتح على الذاكرة، بل على الجرح. يصبح الزمن ثقيلا، وتدخل اللغة نفسها في حالة حداد.

يتجه كل شيء نحو ساعة الفراق. الكتابة لا تداوي، بل تنكأ. يتجلى ذلك في الإلحاح اللفظي: تعود كلمات بعينها بإصرار يكاد يكون قهريا: المحنة، الشجاعة، التشجيع، المشاعر، الانفعال، الدموع. ليست هذه مجرد مفردات، ولكن مؤشرات نفسية. لا يحكي النص العاطفة، وإنما يغرق فيها. كأن اللغة نفسها تفقد قدرتها على التنويع، فتدور حول الألم كما يدور اللسان حول سنّ مكسور.

يكتسب المشهد العائلي الذي يسبق الاعتقال بعدا طقوسيا. يتحول إفطار صباحي إلى ما يشبه الوداع الأخير. الأبناء، الصمت، الدموع المحبوسة. يتساءل ساركوزي عن قدرته على ضبط مشاعره، بينما الجميع من حوله غارقون فيها. تبدو زوجته كارلا، بوجهها الجامد، تحت وطأة الانفعال، وكأنها تمثال للحزن. هنا يسقط القناع السياسي تماما، ويظهر رجل محاصر بعاطفته، لا بخطابه.

من السهل اتهام هذا التكرار بالمبالغة. لكن من يقرأ بعين أقل قسوة يفهم أن التكرار ليس ضعفا وإنما عجزا: عجز اللغة عن الإحاطة بما يحدث. ولذلك يتحول الإفطار إلى استعارة كبرى، تستدعي في الخلفية صورة العشاء الأخير، حيث لا يقال كل شيء، لكنه يُفهم.

من هنا، ينزلق السرد إلى بنية رمزية واضحة. يُقرأ اللقاء مع الرئيس إيمانويل ماكرون بوصفه مواجهة مع سلطة لا ترحم، ويُلبس، بوضوح شبه فاضح، ثوب بيلاطس البنطي. يصبح رفض أي امتياز خاص تضحية إضافية، خطوة أخرى في طريق الآلام. وحين يكتب ساركوزي أنه إن كان عليه أن يحمل صليبه، فعليه أن يفعل ذلك بارتقاء روحي، فإنه لا يستخدم استعارة عابرة، ولكن يؤسس صورة مركزية تحكم النص بأكمله.

في سجن لا سانتيه Prison de la Santé، يستمر هذا المنحى. الامتنان للحراس، التعاطف مع العاملين، الحديث عن حياتهم داخل الأسوار، كلها عناصر تُظهر السجين في موقع المتسامي، القادر على رؤية معاناة الآخرين وهو في قلب معاناته. فقدان وسام "الصليب الأكبر" يُقدَّم بوصفه نزعا للكرامة، معادلا حديثا لإكليل الشوك. وإذا كان المسيح قد قام بعد ثلاثة أيام، فإن الإفراج عن ساركوزي بعد ثلاثة أسابيع لا يبدو، في منطق النص، مصادفة بريئة.

يتخذ المشهد خارج الأسوار طابعا شبه احتفالي. الجماهير التي تصفق، السيارات التي تتوقف، الأصوات التي تنادي باسمه. يتحول الجري في غابة بولونيا إلى مسيرة انتصار. المفارقة صارخة: لم يكن يوما، بحسب السرد، بهذه الشعبية. وكأن السجن، لا السلطة، هو ما منحه هذا الإجماع العاطفي.

حتى التفاصيل الصغيرة تُروى بإصرار واقعي: المصافحات المتكررة التي تُنهك اليد، الدوش البارد، المرآة غير الملائمة، الهاتف الثابت الذي يتحول إلى اختبار صبر وتعقيد بيروقراطي. يُضخَّم كل عنصر يومي ليصير تجربة وجودية. الاتصال الهاتفي، فعل بديهي في الخارج، يصبح داخل السجن "مسار مقاتل". ومع ذلك، يؤديه ساركوزي بنفسه، سواء للاتصال بكارلا أو بمارين لوبان، كمن يؤدي واجبا أخلاقيا.

يعكس الأسلوب نفسه هذا الاضطراب. تتداخل الأزمنة، تتراخى القواعد، تترنح الجمل أحيانا. ليس هذا عيبا فنيا بقدر ما هو انعكاس لفقدان البوصلة. لا يمكن لمن حُرم الضوء الطبيعي أن يكتب بنحو مستقر. ومع ذلك، تظهر فجأة لحظات وصف صافية للطبيعة، للسماء الزرقاء، للشمس، بلغة تكاد تكون تقوية، مقتصدة، كما لو أن الكاتب يستعير نبرة كلاسيكية ليحتمي بها.

تتدفق المرجعيات الأدبية دون حواجز: من هوغو إلى ستندال، من غوته إلى الروايات الشعبية، من أدب السجون إلى أدب المغامرة. حتى الثقافة الجماهيرية تجد لها مكانا. لا يخجل النص من هذا الخليط، وإنما يتغذى عليه. إنه كتاب قارئ نهم وجد نفسه، فجأة، مادة لكتاب.

لكن الركيزة الحقيقية لكل ذلك هي الكتابة نفسها. سبع إلى ثماني ساعات يوميا، تتحول فيها الزنزانة إلى ورشة أدبية. تُروى اللحظة التي تأتي فيها الجملة الأولى كما لو كانت معجزة. ليست الكتابة هنا هواية، إنها خلاص مؤقت، هروب ذهني، استعادة للسيطرة.

يتشكل العمل في أقل من شهر، يكتمل، ويخرج إلى العالم. ومع ذلك، يصر الراوي على التواضع، على أن المحنة وحدها تكشف الإنسان، لا توقعها. تلخص المفارقة المتمثلة في ضخامة التجربة وإعلان التواضع، الكتاب كله.

وأخيرا، لا يقدم هذا النص مجرد يوميات سجين، وإنما بناء ذاتيا كاملا: يعيد رجل دولة سابق تشكيل صورته عبر الألم، الإيمان، اللغة، والرمز. سواء اتفق القارئ مع هذا البناء أو رفضه، لا يمكن إنكار أنه متماسك، واعٍ بذاته، ومصمم بعناية. وهكذا، في غرفة مغلقة، يفعل ساركوزي ما اعتبره باسكال مستحيلا: لا ينهار في العزلة، بل يحولها إلى سرد.