قرار تحكيمي ثقيل الوطأة على سمعة سوناطراك

الحكم التحكيمي الدولي يشكل محطة دقيقة في مسار سوناطراك، إذ يسلط الضوء على التداخل بين القانون والاقتصاد والسياسة في قطاع حيوي للاقتصاد الجزائري.

لندن/الجزائر - أعاد حكم صادر عن هيئة تحكيم دولية في نزاع بين شركة سوناطراك الجزائرية وشركة طاقة بريطانية تسليط الضوء على التحديات التي تواجه أكبر مؤسسة اقتصادية في البلاد، ليس فقط من زاوية الكلفة المالية، بل أيضًا من حيث انعكاساته على سمعة الشركة وقدرتها على استقطاب الشركاء الأجانب في قطاع المحروقات، فالقضية التي تعود جذورها إلى قرار إقصاء شريك أجنبي من مشروع غازي استراتيجي، تجاوزت بعدها القانوني لتصبح اختبارًا حقيقيًا لصورة عملاق النفط الجزائري في الأسواق الدولية.

والحكم الذي صدر في ديسمبر/كانون الأول 2025 جاء بعد سنوات من النزاع حول مشروع غاز يقع في جنوب شرق الجزائر، وهو مشروع يُعد من الأصول المهمة في خارطة الإنتاج الغازي للبلاد. ووفق المعطيات المتداولة، خلصت هيئة التحكيم إلى أن قرار سوناطراك إنهاء عقد تقاسم الإنتاج من جانب واحد لم يكن مستندًا إلى أساس قانوني كافٍ، ما فتح الباب أمام إلزامها بدفع تعويضات مالية كبيرة لشريكها السابق، رغم أن القيمة النهائية ظلت طي السرية.

ومن الناحية القانونية البحتة، لا يُعدّ لجوء الشركات الكبرى إلى التحكيم الدولي أمرًا استثنائيًا، خصوصًا في قطاع الطاقة الذي يتسم بعقود طويلة الأجل ومخاطر تشغيلية عالية، غير أن حساسية الملف تكمن في كونه يمس شركة وطنية تُعد العمود الفقري للاقتصاد الجزائري ومصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة. ولذلك، فإن أي حكم من هذا النوع لا يُقرأ فقط بوصفه خسارة قانونية، بل كإشارة سلبية قد تتردد أصداؤها في دوائر الاستثمار العالمية.

وتؤكد سوناطراك، في سرديتها المعتادة، أن قراراتها المتعلقة بإنهاء الشراكات تستند إلى إخلالات تعاقدية من قبل الشركاء، خصوصًا في ما يتعلق بوتيرة التطوير والالتزامات التقنية، غير أن رفض هيئة التحكيم لهذه المبررات يطرح تساؤلات حول آليات إدارة النزاعات داخل الشركة، ومدى حرصها على تحصين قراراتها من الطعن القانوني، خاصة عندما يتعلق الأمر بشركاء أجانب يمتلكون خبرة طويلة في اللجوء إلى القضاء الدولي.

الحكم يطرح أسئلة حول الحوكمة والشفافية في إدارة الشراكات الدولية
الحكم يطرح أسئلة حول الحوكمة والشفافية في إدارة الشراكات الدولية

وعلى مستوى السمعة، يمثل الحكم ضربة غير مباشرة لجهود الجزائر الرامية إلى تقديم نفسها كوجهة آمنة وجاذبة للاستثمار في مجال الطاقة، فرغم الإصلاحات القانونية التي أُدخلت على قانون المحروقات خلال السنوات الأخيرة والتي استهدفت طمأنة المستثمرين وتوفير إطار أكثر مرونة للشراكات، فإن مثل هذه القضايا تعيد إلى الواجهة مخاوف قديمة تتعلق بالاستقرار التعاقدي وحماية حقوق الشركاء.

ويرى مراقبون أن تأثير الحكم يتجاوز النزاع ذاته، إذ يبعث برسالة حذرة إلى الشركات الأجنبية مفادها أن الدخول في مشاريع كبرى بالجزائر لا يزال محفوفًا بمخاطر قانونية وسيادية، فبالنسبة للمستثمرين، لا تقتصر المعادلة على حجم الاحتياطات أو الجدوى الاقتصادية للمشاريع، بل تشمل أيضًا قابلية البيئة القانونية للتنبؤ وسرعة حل النزاعات، واحترام العقود الموقعة.

في المقابل، لا يعني الحكم بالضرورة تراجع مكانة سوناطراك كشركة طاقة إقليمية كبرى، فالشركة تواصل تنفيذ مشاريع استراتيجية وتوسيع طاقتها الإنتاجية، مستفيدة من الطلب الأوروبي المتزايد على الغاز. كما أن مواصلة تطوير المشروع محل النزاع بشكل منفرد تعكس رغبة في الحفاظ على الزخم الإنتاجي وعدم رهن المشاريع الخلافية بمآلات التحكيم، غير أن ذلك لا يلغي حقيقة أن النزاع، بصيغته الحالية، يضيف عبئًا ماليًا ومعنويًا على الشركة.

وداخليًا، يطرح الحكم أسئلة حول الحوكمة والشفافية في إدارة الشراكات الدولية ومدى الحاجة إلى مراجعة أسلوب التعامل مع الخلافات التعاقدية قبل وصولها إلى أروقة التحكيم. كما يعيد النقاش حول كلفة القرارات الأحادية، خاصة عندما تتحول لاحقًا إلى التزامات مالية قد تُثقل كاهل الشركة والدولة معًا.

أما خارجيًا، فإن كيفية تعامل السلطات الجزائرية وسوناطراك مع تداعيات الحكم ستكون عاملًا حاسمًا في احتواء أثره على السمعة. فإما أن يُنظر إليه كحادثة معزولة ضمن مسار إصلاحي أوسع، أو كدليل إضافي على استمرار الإشكالات البنيوية في مناخ الاستثمار. وفي هذا السياق، يرى خبراء أن الشفافية في التعاطي مع القضية، وتوضيح الموقف الرسمي، قد تسهم في الحد من الأضرار المعنوية.

ويشكل الحكم التحكيمي محطة دقيقة في مسار سوناطراك، إذ يسلط الضوء على التداخل بين القانون والاقتصاد والسياسة في قطاع حيوي للاقتصاد الجزائري. وبينما تبقى الخسارة المالية محتملة وقابلة للاحتواء، فإن الرهان الأكبر يتمثل في إدارة الأثر المعنوي للحكم، وحماية سمعة الشركة كفاعل موثوق في سوق الطاقة العالمية، في وقت تسعى فيه الجزائر إلى تعزيز موقعها كشريك استراتيجي على المدى الطويل.