مسندم العمانية ملاذ غواصين دوليين

مركز استكشاف مسندم للغوص يحوّل شغف البحر إلى تجربة سياحية عالمية، تجمع المغامرة وحماية البيئة بعُمان وتجذب عشاق الأعماق

مسندم (سلطنة عمان) ـ يبرز مركز استكشاف مسندم للغوص في محافظة مسندم بوصفه أحد النماذج العُمانية الملهمة في الاستثمار السياحي القائم على البيئة، إذ استطاع خلال سنوات قليلة أن يحوّل الشغف بالبحر إلى مؤسسة رائدة تروّج للسياحة العُمانية، وتستقطب هواة الغوص والمغامرة من مختلف دول العالم. ولم يعد المركز مجرد محطة رياضية، بل نافذة ثقافية وبيئية تعكس ثراء الطبيعة العُمانية وتنوّعها.

ويروي بدر بن محمد الشحي، صاحب المركز لوكالة الأنباء العمانية، أن علاقته بالبحر بدأت منذ الطفولة من خلال مهنة الصيد التقليدية، التي شكّلت جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية لأهالي مسندم. ويقول إن فضوله لم يقتصر على ما تحمله الشباك من رزق، بل امتد إلى استكشاف ما تخبئه الأعماق خلف تلك “المسطحات الزرقاء” الهادئة.

وقاده هذا الفضول للعمل في أحد مراكز الغوص التابعة لشركة ألمانية بولاية خصب، حيث تعرّف عن قرب على عالم الغوص الاحترافي، وتدرّج في مستوياته حتى حصل على رخصة مدرب معتمد من منظمة "بادي" الدولية.

وفي عام 2015، قرر تحويل حلمه إلى واقع، فأسس مركزه الخاص، الذي سرعان ما أصبح علامة فارقة في مجال السياحة البحرية العُمانية.

ويؤكد الشحي أن محافظة مسندم تتميز ببيئة بحرية فريدة على مستوى المنطقة، نظرًا لكثرة الأخوار وتنوّع التضاريس، حيث تلتقي الجبال الشاهقة بالمياه العميقة في مشهد نادر. هذا التمازج بين البيئتين الجبلية والبحرية يوفّر ظروفًا مثالية لنمو الشعاب المرجانية وازدهار الأحياء البحرية النادرة.

ويضيف أن المركز ينظم رحلات يومية إلى أكثر من  30 موقع غوص، تتنوع بين مواقع مناسبة للمبتدئين وأخرى للمحترفين، إلى جانب تقديم دورات تدريبية معتمدة، وبرامج “تجربة الغوص” لغير المرخصين، فضلًا عن رحلات السباحة السطحية (السنوركل) التي تتيح للزوار الاستمتاع بجمال البحر دون الحاجة إلى معدات متقدمة.

ويشدد الشحي على أن الغوص في مسندم لا ينفصل عن مسؤولية حماية البيئة البحرية، معتبرًا أن مراكز الغوص تؤدي دور "الحارس" لهذه المنظومة الحساسة. ويعد مركز استكشاف مسندم الداعم الأساسي لـ فريق مسندم للغوص التطوعي، الذي ينفذ حملات دورية لتنظيف قاع البحر من المخلفات، إلى جانب مبادرات لاستزراع المرجان المتضرر.

كما يولي المركز اهتمامًا خاصًا بتدريب الغواصين على مهارات "الطفوية" الصحيحة، التي تضمن الحفاظ على الشعاب المرجانية ومنع تدميرها بشكل غير مقصود، مؤكدًا أن السياحة البيئية الناجحة تقوم على التوازن بين الاستمتاع بالطبيعة وحمايتها.

وحول الإقبال السياحي، يشير الشحي إلى أن زوار مسندم غالبًا ما يُبدون دهشة كبيرة من الحالة الصحية للشعاب المرجانية، وصفاء المياه، وكثافة الحياة البحرية. ويقضي السائح في المتوسط أسبوعًا كاملًا في المحافظة، يمارس الغوص بشكل يومي، ويستكشف مواقع متعددة.

ويسجل المركز حضورًا عُمانيًا لافتًا على الساحة الدولية، بكونه أول شركة عُمانية تشارك في معرض دوسلدورف البحري بألمانيا، الأكبر عالميًا في مجال الرياضات البحرية، إضافة إلى مساهمته في تنظيم النسخة الأولى من مهرجان مسندم الدولي للغوص، الذي أسهم في الترويج للمحافظة كوجهة عالمية.

ويقول السائح الألماني توماس مولر، "لقد غصت في أماكن كثيرة حول العالم، من البحر الأحمر إلى الكاريبي، لكنني لم أشاهد هذا التنوع المذهل من الأسماك والشعاب المرجانية إلا في مسندم. المياه هنا صافية بشكل استثنائي، والإحساس بالسباحة بين الجبال والبحر في آن واحد تجربة لا تُنسى".

وترى السائحة الفرنسية كلارا دوبوا، أن ما يميز التجربة في مسندم هو البعد البيئي، قائلة "أكثر ما شدّني هو الاهتمام الحقيقي بحماية البحر. شاركنا خلال الرحلة في حملة تنظيف بسيطة، وكان شعورًا رائعًا أن نكون جزءًا من هذا الجهد التطوعي، لا مجرد زوار".

محافظة مسندم تتميز ببيئة بحرية فريدة
محافظة مسندم تتميز ببيئة بحرية فريدة

ويصف السائح الياباني هيروشي تاكاهاشي تجربته قائلًا "جئت بدافع الفضول، لكنني فوجئت بمستوى التنظيم والاحترافية. الغوص هنا ليس مجرد رياضة، بل رحلة ثقافية وبيئية متكاملة، تعرّفك على طبيعة عمان وأسلوب عيش أهلها".

ويعتبر السائح الإماراتي سعيد الكعبي مسندم وجهة مثالية لعطلة قصيرة، موضحًا "يمكن الجمع هنا بين الغوص، وركوب القوارب، والاستمتاع بالمناظر الجبلية الخلابة. إنها تجربة سياحية متكاملة تعكس جمال عمان الطبيعي".

ويوجه الشحي رسالة إلى الشباب العُماني الراغب في دخول قطاع السياحة البحرية، داعيًا إياهم إلى التفرد والابتكار، وعدم الاكتفاء بالأنماط التقليدية. ويؤكد أن السوق السياحي بات يبحث عن تجارب نوعية وغير مألوفة، قادرة على الجمع بين المتعة والمعرفة.

وكشف عن خطط مستقبلية قيد الدراسة، من بينها إدخال رحلات الغوص الليلية، وتجارب الغوص مع الكائنات البحرية الكبيرة كالدلافين وأسماك الراي، إضافة إلى برامج تعليمية مخصصة للأطفال لتعريفهم بعالم البحار، وغرس مفاهيم الحفاظ على البيئة منذ الصغر.

ويسهم المركز إلى جانب دوره البيئي والسياحي، في تنشيط الاقتصاد المحلي، عبر توفير فرص عمل للشباب، ودعم قطاعات مرافقة مثل النقل البحري، والإقامة الفندقية، والمطاعم. كما يعزز حضور مسندم على خارطة الوجهات السياحية العالمية، ويجعلها مقصدًا مفضلًا لعشاق الطبيعة والمغامرة.

ويمثل مركز استكشاف مسندم للغوص قصة نجاح وطنية، جمعت بين الشغف الشخصي والرؤية المؤسسية، وأسهمت في ترسيخ مكانة عمان كوجهة سياحية بحرية عالمية. ومع استمرار تطوير الأنشطة وتزايد إقبال السياح، تبدو مسندم ماضية بثبات نحو مستقبل أكثر إشراقًا، حيث تتلاقى الرياضة والبيئة والثقافة في تجربة واحدة متكاملة، تحت سطح بحر يروي حكايات لا تنتهي.