رمضان على الأبواب والغزيون على أمل التغيير
يقترب شهر رمضان على أهلنا في قطاع غزة في ظل واقع معيشي ضاغط مستمر منذ سنوات، دون مؤشرات واضحة على تحسّن قريب، تُهيمن عليه مخاوف النقص واستمرار الأزمة الإنسانية. ففي الوقت الذي ارتبط فيه رمضان، تاريخيًا، بالموائد المفتوحة والعمل الخيري، يدخل القطاع الشهر الفضيل وسط حصار خانق، حيث تتقدّم الأسئلة المعيشية على أي استعدادات دينية أو اجتماعية.
حتى الآن، لا تظهر مؤشرات ملموسة على تحوّل جوهري في واقع قطاع غزة، رغم الإعلان الأميركي عن إطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. فباستثناء تراجع حدّة العمليات العسكرية، وتوقّف هدير الطائرات وأصوات الصواريخ، ما تزال الظروف المعيشية والإنسانية على حالها، دون تغيّر واضح ينعكس على حياة السكان اليومية.
الإعلان الذي صدر عن المبعوث الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، بشأن الانتقال إلى مرحلة تشمل نزع السلاح، وتشكيل حكومة تكنوقراطية، والشروع في إعادة الإعمار، يظلّ حتى اللحظة إطارًا سياسيًا عامًا، أكثر منه مسارًا محسوسًا على الأرض. فالحديث عن إعادة الإعمار والحكم الجديد لا يقابله، حتى الآن، تحسّن في تدفّق المساعدات، أو استعادة للخدمات الأساسية، أو معالجة حقيقية لحالة الشلل التي يعيشها القطاع. وفي هذا السياق، يبقى أي تقدّم فعلي مرهونًا بمدى تجاوب حركة حماس مع مسار الخطة المطروحة، بما يتيح الانتقال من مستوى الإعلان إلى مستوى التطبيق.
وبينما تراهن واشنطن على التزامات متبادلة وضمانات سياسية، يبقى الفارق واضحًا بين ما يُعلن في البيانات، وما يلمسه السكان فعليًا. فهدوء السماء، على أهميته، لا يكفي وحده للدلالة على تغيير عميق، طالما ظلّ واقع الحصار، ونقص الموارد، وتعطّل البنى الأساسية، قائمًا دون معالجة.
في غزة، لم تعد مظاهر الاستقبال مرتبطة بالزينة أو التحضيرات التقليدية، بقدر ما باتت مرتبطة بالحسابات اليومية. ما المتوفر من الغذاء؟ إلى متى يكفي؟ وهل ستدخل المساعدات في وقتها؟ أسئلة أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، وأعادت تشكيل طقوس الشهر، التي تحوّلت من ممارسة جماعية إلى سلوك فردي تفرضه ظروف الانقطاع المتكرر للكهرباء وشحّ الموارد.
التغيير لم يطل جوهر رمضان بقدر ما طال شروطه. الإفطار الجماعي، الذي كان يعكس روح التضامن الاجتماعي، تراجع بشكل ملحوظ، والسحور الذي كان مناسبة عائلية بات وجبة سريعة تفرضها الضرورة. أحاديث الناس لم تعد تدور حول أجواء الشهر، بل حول الوقود، والطحين، وقدرة المستشفيات على الاستمرار، ومستقبل الأيام المقبلة في ظل واقع غير واضح المعالم..
في خضم هذا المشهد، يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: من يدفع ثمن التعثّر السياسي؟ فحين تتباطأ المراحل، وتتأخر الاستحقاقات، لا يشعر بها من يجلسون على طاولة التفاوض بقدر ما يشعر بها أولئك الذين ينتظرون شاحنة مساعدات، أو ساعة كهرباء، أو إمدادًا عاجلًا لمستشفى يعمل عند حدوده القصوى. التأخير هنا لا يُقاس بالأيام، بل بعدد الوجبات التي لم تُحضَّر، وعدد العمليات التي أُجّلت، وعدد البيوت التي نامت على القلق.
السياسة، بطبيعتها، مساحة حسابات معقّدة. لكن في غزة، تبدو هذه الحسابات مكلفة على نحوٍ لا يمكن فصله عن الحياة اليومية. السؤال لا يُطرح بوصفه اتهامًا، بل بوصفه قلقًا أخلاقيًا: إلى أي مدى يمكن للفعل السياسي أن يتحمّل كلفة إنسانية متزايدة؟ وهل تظلّ المعاناة ورقةً صالحة للضغط حين تصبح عبئًا دائمًا على مجتمعٍ بأكمله؟
لا تقتصر تداعيات الوضع القائم على نقص الغذاء فقط، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والنفسي، خصوصًا لدى الأطفال والنساء. فالأطفال يستقبلون شهر رمضان في ظروف لا تختلف كثيرًا عن بقية أيام العام، فيما تتحمّل النساء أعباء إضافية مرتبطة بإدارة شؤون الأسرة في ظل شحّ الموارد واستمرار القلق اليومي.