بيروت تحتفل بميلاد منصور الرحباني الموسيقي

قصائد منصور تتناغم مع موسيقى أسامة في أوبرا أسطورية بصوت هبة طوجي.

بيروت - شهدت كنيسة القلب الأقدس في منطقة الجمّيزة ببيروت إطلاق العرض العالمي الأول للملحمة الموسيقية- الغنائية "أسافر وحدي ملكاً"، برعاية الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون، وبحضور نخبة من الشخصيات السياسية والدبلوماسية والثقافية والفنية، وتغطية واسعة من وسائل الإعلام اللبنانية والعربية.

جمعت الأمسية الفنية الباهرة بين روائع الشعر الغني لمنصور الرحباني والتأليف الموسيقي الأوركسترالي للمايسترو أسامة الرحباني، والصوت الأسر للنجمة اللبنانية-العالمية هبة طوجي، بمرافقة الأوركسترا السيمفونية الوطنية الأوكرانية وجوقة جامعة سيدة اللويزة بقيادة الأب خليل رحمة، في إنتاج مشترك بين مهرجان أبوظبي والفنان أسامة الرحباني، ليشكل هذا الحدث تتويجاً للاحتفالات بالمئوية الكبرى لمنصور الرحباني التي امتدت خلال الأشهر الماضية في مختلف المناطق اللبنانية.

وجاء هذا التعاون الفني المشترك بين الفنان أسامة الرحباني ومجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، في إطار برنامج مهرجان أبوظبي في الخارج لعام 2026، ليبرز الأوراتوريو "أسافر وحدي ملكاً" كأحد أعظم الأعمال الموسيقية السيمفونية العربية الحديثة. لقد امتزجت القصائد الشعرية لمصور الرحباني بعظمة الموسيقى السيمفونية، وأضفى الأداء الاستثنائي لهبة طوجي بعداً درامياً ووجدانيّاً استثنائياً على العرض، بينما قدمت الأوركسترا السيمفونية الأوكرانية العرض بمستوى عالمي، محققة تجربة سمعية وبصرية نادرة على صعيد الشرق الأوسط.

افتتحت الأمسية بالنشيدين الوطنيين اللبناني والأوكراني، قبل أن ينطلق الجمهور في رحلة موسيقية وفلسفية عبر فضاء كنيسة مدرسة القلب الأقدس في الجمّيزة، حيث أضاف المكان بعداً روحياً وتاريخياً عميقاً للحفل. تولى الراوي جاد الرحباني قيادة الجمهور عبر النصوص الشعرية الغنية، لتبحر القصائد في فضاءات الموسيقى والجمال، متناولة أسئلة وجودية كبرى حول الموت والحياة والفن والإنسان والرحيل والغربة والحب والأوطان. وقد حوّل أسامة الرحباني هذه التجربة الشعرية الفلسفية إلى أوراتوريو ملحمي، نسج فيه موسيقى سيمفونية متقنة تأخذ المستمعين في رحلة موسيقية حالمة تشبه مواكب السفن في بحار عاصفة، ممتدة بين الأزمنة والأماكن والأكوان.

وكان لأداء هبة طوجي الصوتي الحاد، المتعدد الألوان بين الهامس والمهيب، أثر كبير في إيصال روح الأوراتوريو إلى أعماق المشاعر، حيث جمع بين التعبيرية الرفيعة والجماليات الفنية التي أسرت الحضور وألهمتهم تجربة حسية ومعنوية متكاملة. لقد بدا الحفل وكأنه موكب ملكي ينقل إرث منصور الرحباني وشاعريته الخالدة من جيل إلى جيل، مضاءً بشعلة الموسيقى التي تعانق الأزمنة والأماكن، وتؤكد حضوره الدائم في الذاكرة الثقافية العربية.

في ختام الأمسية، كرّم الرئيس اللبناني النجمة هبة طوجي بمنحها وسام الأرز الوطني من رتبة فارس، وقلّدها إياه وزير الثقافة اللبناني الدكتور غسان سلامة. كما تمّ منح جائزة مهرجان أبوظبي المرموقة بالتعاون مع شوبارد تكريماً لإرث منصور الرحباني، وقدمت الجائزة سعادة هدى إبراهيم الخميس، مؤسس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، وتسلمها نيابة عنه أبناؤه أسامة، مروان وغدي الرحباني. وتكرم هذه الجائزة سنوياً الشخصيات التي أسهمت بشكل بارز في إثراء المشهد الثقافي والفني، مسلطة الضوء على دور منصور الرحباني وإرثه الخالد في صون وتطوير المسرح والموسيقى العربية.

ويستند الأوراتوريو إلى النصوص الكاملة لكتاب منصور الرحباني "أسافر وحدي ملكاً"، الصادر عام 2007، الذي يضم 34 مقطوعة شعرية تعكس رؤية فلسفية ووجودية شاملة حول الحياة والموت والغربة والفن والوطن. يتسم الكتاب بلغة بسيطة على عمق، وسرد شعري متقن، ويطرح أسئلة جوهرية عن الذات والكون، مستعرضاً تجربة وجودية متميزة ومتصلة بالواقع اللبناني والإنساني، حيث تتجلى شمولية رؤية منصور الرحباني في النصوص التي تجمع بين الرمزية والتأمل الفلسفي.

وتأسست مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون عام 1996، وتعد من أعرق المؤسسات الثقافية في الخليج والعالم العربي، وتهتم بدعم الإبداع واستدامة التنمية الثقافية عبر احتضان المواهب وتنظيم الفعاليات الثقافية المحلية والدولية. ومهرجان أبوظبي، الذي تأسس عام 2004، يقدّم سنوياً أعمال العرض الأول والتكليف الحصري، ويعكس رؤية الإمارات في تعزيز الحوار والتميز والابتكار الثقافي، مع التركيز على تمكين الشباب ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية.