الخنساء والشنفرى وزبيبة يضيئون ملحمة 'أبطال الرمال'

'أبطال الرمال' ينجح في إعادة تقديم الشخصيات التاريخية بصفتها كائنات بشرية من لحم ودم، لا رموزًا جامدة.

الدوحة ـ يأتي مسلسل "أبطال الرمال" بوصفه أحد أضخم المشاريع الدرامية العربية المنتظرة، حاملاً طموحًا فنيًا واضحًا لإعادة إحياء الدراما التاريخية العربية، لا عبر استعادة الماضي كما هو، بل من خلال تفكيكه وإعادة تركيبه برؤية إنسانية وبصرية حديثة.
ويسعى العمل إلى تجاوز السرد التقليدي للتاريخ، ليقدّم العصر الجاهلي بوصفه زمنًا حيًّا نابضًا بالصراعات والأسئلة الوجودية، لا مجرد مرحلة ساكنة في كتب التراث.

ويغوص المسلسل في العصر الجاهلي، تلك الحقبة التي شكّلت الأساس الثقافي والاجتماعي واللغوي للعرب، مقدّمًا إياها كبيئة إنسانية معقّدة، تتصارع فيها القيم والمصالح، وتتداخل فيها البطولة مع الألم، والكرامة مع القهر. فمنذ حلقاته الأولى، يضع "أبطال الرمال" المشاهد في قلب الصحراء العربية، حيث كانت القبيلة تمثّل الوطن والهوية والمصير، وحيث تحكم الأعراف الصارمة تفاصيل الحياة والموت.

وفي هذا العالم القاسي، تتشابك الصراعات حول الزعامة والنفوذ، وتتصادم المصالح بين القبائل، فيما يبقى الفرد محاصرًا بين ولائه للجماعة ورغبته في إثبات ذاته وكرامته. وتتحوّل الصحراء هنا إلى كيان درامي حيّ، تعكس قسوتها قسوة العلاقات البشرية، ويجسّد اتساعها توق الإنسان الدائم إلى الحرية والانفلات من القيود. فلا تبدو الرمال فراغًا صامتًا، بل فضاءً يعجّ بالتوتر، ويشكّل امتحانًا دائمًا للشخصيات.
ويبرز المسلسل شخصية عنترة بن شداد بوصفها أحد المحاور الأساسية للسرد، لكن من دون الوقوع في فخ التمجيد الأسطوري المجرد. فعنترة في "أبطال الرمال" ليس مجرد فارس مغوار وشاعر جسور، بل إنسان يعيش صراعًا داخليًا مريرًا بين نسبٍ يُنكر، وقوةٍ يُعترف بها، وحبٍّ يصطدم بجدران الطبقية والتمييز. ويقدّم العمل هذه الشخصية كمرآة لأسئلة كبرى حول الكرامة، والعدالة، والانتماء، في مجتمع يقدّس الدم والنسب أكثر من القيم الإنسانية.

ويرى الفنان سلوم حداد، أحد أبطال العمل، أن "أبطال الرمال" ينجح في إعادة تقديم الشخصيات التاريخية بصفتها كائنات بشرية من لحم ودم، لا رموزًا جامدة. ويؤكد أن "قوة المسلسل تكمن في إنسنة التاريخ، وتحويله إلى حكاية قريبة من وجدان الناس، تعكس صراعات لا تزال حاضرة حتى اليوم".

ويمنح المسلسل المرأة مساحة درامية وازنة، تتجسّد خصوصًا في شخصية زبيبة، التي تؤديها الفنانة سعاد خيي. وزبيبة ليست فقط أمّ عنترة، بل رمز لنساء عشن القهر والعبودية، وحاولن تحويل الألم إلى قوة. هي امرأة عالقة بين أمومة جريحة ومجتمع قبلي لا يعترف بحقها في القرار، لكنها تصرّ على حماية ابنها ومنحه اسمًا ومكانة في عالم يرفضه.

ومن خلال زبيبة، يعيد المسلسل طرح أسئلة عميقة حول السلطة الأبوية، والظلم الاجتماعي، والمقاومة الصامتة التي تمارسها النساء داخل منظومات قمعية. فهذه الشخصية تتجاوز زمنها التاريخي، وتلامس وجدان المشاهد المعاصر، بما تحمله من مشاعر أمومة وخوف وإصرار على الحياة.

وتؤكد الفنانة سعاد خيي أن تجسيد شخصية زبيبة شكّل تحديًا فنيًا وإنسانيًا كبيرًا، مشيرة إلى أن الدور يتطلّب حساسية عالية في الأداء، بعيدًا عن الخطابة أو المبالغة. وتقول إن "زبيبة امرأة قوية بصمتها، ومؤلمة بضعفها، وهي تمثّل آلاف النساء اللواتي لم يُكتب تاريخهن، رغم أنهن كنّ صانعات حقيقيات للمصير".

ويمنح "أبطال الرمال" اللغة والشعر دورًا محوريًا في البناء الدرامي. فالشعر، بوصفه ديوان العرب، يتحوّل إلى أداة للتعبير عن الفقد والحب والفخر والتمرّد. ويعتمد العمل على لغة فصيحة مشغولة بعناية، تحافظ على نكهة العصر الجاهلي، من دون أن تنفصل عن المتلقي الحديث. هذا التوازن يمنح النص عمقًا جماليًا، ويجعل الكلمة جزءًا أساسيًا من الفعل الدرامي، لا مجرد زينة لغوية.

ويمتاز المسلسل ببنية درامية خاصة، إذ يوحّد ثلاث خماسيات في لوحة ملحمية متكاملة، تكشف السِّيَر الإنسانية والبطولية لرموز بارزة من العصر الجاهلي. ففي الخماسية الأولى، يستلهم العمل قصة الخنساء وصخر، ويغوص في واحدة من أكثر حكايات الفقد تأثيرًا في الوجدان العربي. لا يكتفي المسلسل بسرد المراثي الشهيرة، بل يدخل إلى الحياة اليومية لقبيلة بني سُليم، كاشفًا صراعات السلم والثأر، ودور المرأة في حفظ تماسك القبيلة وصناعة القرار.

وتتناول الخماسية الثانية، عالم الصعاليك بقيادة الشنفرى الأزدي، بوصفهم حركة تمرّد اجتماعي وإنساني، لا مجرد خارجين عن القانون. ويقدّم المسلسل الشنفرى ورفاقه، مثل تأبط شرًّا والسليك بن السلكة، كرموز للحرية والعدالة، واجهوا طبقية المجتمع وأعرافه القاسية دفاعًا عن المهمّشين. وتمتاز هذه الخماسية بإيقاع سينمائي عالٍ، ومشاهد مطاردات ومعارك، وتوظيف مكثّف لجغرافيا الصحراء بوصفها مدرسة للصلابة والنجاة.

وتغوص الخماسية الثالثة، في حكاية زبيبة أمّ عنترة، مركّزة على الأمومة بوصفها فعل مقاومة. وتتبع الأحداث صراعها مع مجتمع يسعى إلى محو نسب ابنها، في مقابل إصرارها على منحه هوية ومستقبلًا يليق بفروسيته. وهنا يطرح العمل قضايا العبودية والحرية، وكرامة الإنسان رغم القيود، وصوت المهمّشين في مجتمع يقدّس القوة والانتماء.

ويرى الفنان منذر رياحنة أن "أبطال الرمال" يمهّد لمرحلة جديدة من الأعمال التاريخية العربية، قادرة على مخاطبة الجمهور المعاصر بلغة بصرية متقدمة، من دون التفريط بالهوية الثقافية. ويشير إلى أن العمل "يعتمد على صورة قوية وأداء تمثيلي صادق، ما يجعله قريبًا من روح السينما الملحمية".

ويؤكد المخرج سامر جبر أن التحدي الأكبر كان في خلق توازن دقيق بين المشهدية الملحمية والبعد الإنساني، موضحًا أن الهدف لم يكن تقديم معارك فقط، بل سرد حكايات بشرية تنبض بالمشاعر.

ويضيف أن الصحراء في المسلسل صُوّرت بوصفها شخصية قائمة بذاتها، تعكس قسوة العالم وجماله في آن واحد.
وبهذا الطرح، يقدّم "أبطال الرمال" نموذجًا مختلفًا للدراما التاريخية العربية، يستثمر التراث بوصفه مادة حيّة قابلة لإعادة القراءة، ويؤكد أن الماضي، حين يُروى بصدق ووعي فني، قادر على مخاطبة الحاضر وفتح أسئلة المستقبل.