دماء على الخريطة السورية: الكُرد بين سطوة دمشق و خيانة الحلفاء والبراغماتية الباردة

دمشق تريد استعادة السيطرة، وأنقرة تريد كسر المشروع الكردي. هذا التقاطع يفسّر حجم التساهل الإقليمي مع ما يجري، رغم خطورته.

لم تكن الخريطة السورية يومًا مجرد خطوط وحدود، بل تحوّلت مع سنوات الصراع إلى سجلٍّ مفتوح للدم والتحالفات المتبدّلة. وفي قلب هذه الخريطة، يقف الكرد مرة أخرى في موقع هشّ، محاصرين بين سطوة دمشق التي لم تتخلَّ يومًا عن مركزيتها القمعية، وخيانات الحلفاء الذين سرعان ما يبدّلون مواقفهم وفق ميزان المصالح، وتقاطعات إقليمية لا ترى في الكرد سوى ورقة تفاوض مؤقتة.

واليوم تشهد الساحة السورية منعطفًا بالغ الخطورة مع تجدّد المواجهات العسكرية بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في سياق يتجاوز كونه صدامًا ميدانيًا محدودًا، ليعكس تحوّلًا أعمق في موازين القوى الإقليمية والدولية، ومحاولة إعادة رسم الجغرافيا السياسية لسوريا بالقوة، وعلى حساب أحد أكثر الفاعلين تضررًا منذ اندلاع الصراع: الكرد.

المعركة على الجغرافيا لا على الأمن
التحركات العسكرية الأخيرة للقوات السورية تتركّز، وفق المعطيات الميدانية المتداولة، على انتزاع أكبر قدر ممكن من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية التي كانت خاضعة لسيطرة قسد، ولا سيما تلك التي تمثّل عقدًا جغرافية أو اقتصادية، أو نقاط ربط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.

هذا السلوك لا يمكن فصله عن إدراك دمشق أن مرحلة ما بعد داعش أوجدت واقعًا سياسيًا جديدًا في شمال وشرق سوريا، واقعًا تبلور في شكل إدارة ذاتية تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية وخدمية، وهو ما تعتبره الدولة السورية تحديًا مباشرًا لمفهوم "السيادة المركزية" الذي تسعى لإعادة فرضه دون تقديم أي صيغة شراكة سياسية حقيقية.

الانتهاكات والمجازر… العنف كأداة تفاوض
ما يرافق هذا التقدّم العسكري، بحسب تقارير حقوقية وشهادات ميدانية، من مجازر وتجاوزات بحق المدنيين، إضافة إلى انتهاكات جسيمة ضد أسرى من مقاتلي قسد، لا يبدو مجرد "أخطاء حرب"، بل يدخل في إطار استخدام العنف المفرط كوسيلة لكسر إرادة سياسية واجتماعية.

هذه السياسة تعيد إلى الأذهان نمط إدارة الصراع الذي اعتمدته دمشق في مراحل سابقة: فرض الوقائع بالقوة، ثم الذهاب إلى طاولة التفاوض من موقع المنتصر، دون اكتراث حقيقي بالكلفة الإنسانية أو الاجتماعية، وهو ما يفاقم الشرخ بين المكونات السورية، ويهدد أي إمكانية لحل وطني جامع.

تركيا اللاعب غير المعلن
الدور التركي، وإن بقي "من وراء الحجاب"، إلا أنه حاضر بقوة في خلفية المشهد. أنقرة ترى في أي كيان كردي منظم على حدودها الجنوبية تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، وبالتالي فإن إضعاف قسد، حتى عبر أدوات غير مباشرة، ينسجم مع عقيدتها الأمنية.

التقاطع التركي–السوري هنا ليس تحالفًا كاملًا، بل تقاطع مصالح ظرفي: دمشق تريد استعادة السيطرة، وأنقرة تريد كسر المشروع الكردي. هذا التقاطع يفسّر حجم التساهل الإقليمي مع ما يجري، رغم خطورته.

واشنطن… من الشراكة إلى البراغماتية الباردة
الولايات المتحدة، التي اعتمدت على المقاتلين الكرد كحليف رئيسي في الحرب ضد تنظيم داعش، تبدو اليوم في موقع المراقب الحذر، وربما المبارِك الضمني لإعادة ترتيب الأوراق، في إطار أولويات أوسع تتعلّق بالانسحاب، واحتواء روسيا وإيران، وإدارة التوازنات مع تركيا.

وما يُتداول عن تحركات دبلوماسية أميركية وزيارات لمبعوثين إلى المنطقة، بغض النظر عن تفاصيلها، يعكس توجّهًا أمريكيًا تقليديًا: التحالفات ليست التزامًا أخلاقيًا دائمًا، بل أدوات مؤقتة. وهذا ما يعيد طرح سؤال جوهري: هل تغيّر واشنطن موقفها تحت ضغط الواقع الكردي الجديد؟ أم أن تجربة "الخذلان" تتكرر بصيغة مختلفة؟

حياد قاتل
الصمت الأوروبي والعربي لا يقل خطورة عن الفعل العسكري نفسه. أوروبا، المنشغلة بأوكرانيا وأزماتها الداخلية، تكتفي ببيانات فضفاضة. أما العالم العربي، فغارق في إعادة تطبيع العلاقات مع دمشق، ولو على حساب الضحايا وحقوق المكونات غير العربية. وهذا الصمت يبعث برسالة واضحة: العدالة وحقوق الأقليات ليست أولوية في حسابات المصالح الإقليمية.

خطاب الصلابة في وجه الإملاءات
في اللقاء الأخير الذي جمع قائد قوات قسد، مظلوم عبدي، مع الرئيس السوري أحمد الشرع، برز موقف كردي صلب يرفض منطق الإملاء والاستسلام، ويؤكد أن أي حل لا بد أن يقوم على الاعتراف السياسي بالإدارة الذاتية، لا تفكيكها بالقوة.

وهذا الموقف لا يعكس تحديًا شخصيًا، بل يعبّر عن قناعة متجذّرة لدى شريحة واسعة من كرد سوريا بأن العودة إلى ما قبل عام 2011 لم تعد ممكنة، وأن التضحيات التي قُدّمت في مواجهة داعش لا يمكن مقايضتها بوعود فارغة.

الدروز والكرد… تقاطع المظلومية
الموقف الدرزي الداعم للكرد في هذه المرحلة ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس وعيًا متزايدًا لدى الأقليات السورية بأن استهداف أي مكوّن اليوم قد يفتح الباب لاستهداف الآخرين غدًا. هذا التقارب، وإن كان سياسيًا وأخلاقيًا أكثر منه عسكريًا، إلا أنه يحمل دلالات مهمة على تشكّل وعي مشترك في مواجهة المركزية القسرية.

كردستان العراق بين الدعم والحسابات
إقليم كردستان العراق يجد نفسه في موقع بالغ الحساسية. فالدعم السياسي والمعنوي لكرد سوريا يُقابَل بحسابات دقيقة تتعلق بعلاقاته مع بغداد وأنقرة وطهران. ومع ذلك، يبقى الإقليم أحد أهم الروافد السياسية الممكنة لدعم صمود الإدارة الذاتية، سواء عبر الدبلوماسية أو التنسيق الكردي–الكردي.

أما العراق كدولة، فإن أي انفجار جديد في سوريا سينعكس مباشرة على أمنه وحدوده وتوازناته الداخلية، ما يجعل الاستقرار في شمال وشرق سوريا مصلحة عراقية بقدر ما هو قضية كردية.

إلى أين يتجه المشهد؟
ما يجري اليوم في سوريا ليس مجرد معركة عسكرية، بل اختبار حقيقي لمستقبل التعددية، ولمصداقية التحالفات الدولية، ولمفهوم الدولة الوطنية.

وإذا استمر هذا المسار، فإن الإدارة الذاتية الكردية قد تواجه أخطر تحدٍّ وجودي منذ تأسيسها، ليس بسبب ضعفها الداخلي، بل نتيجة تلاقي مصالح دولية وإقليمية على حسابها. ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل ينجح الكرد مرة أخرى في الصمود وفرض معادلة سياسية جديدة؟ أم أن "المؤامرة الصامتة" ستُكتب لها الغلبة، لتُضاف صفحة جديدة إلى سجل خذلان الشعوب التي قاتلت نيابةً عن العالم؟