الحل في داخل إيران

تصاعد عنف الجمهورية الإسلامية ضد المتظاهرين كشف عن نظام تحت الضغط، لكنه ليس على حافة الانهيار.

توقّع حدث أو تطوّر ما ليس بالضرورة أن يكون متفقًا أو متطابقًا مع المآلات المنتظرة له، ولا سيما إذا ما كان متعلّقًا بمسألة فيها الكثير من التعقيدات، كما حدث مع الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة التي اندلعت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، حيث ذهبت بعض التحليلات والمقالات السياسية بشأنها بعيدًا جدًا، واعتقدت بأنها ستكون نهاية النظام القائم في إيران.

النظام القائم في إيران على أساس نظرية دينية طارئة تتسم بالتطرف، أصبح، بسبب من نهجه الذي تبنّى سياساته في ضوئه، مصدر قلق للمنطقة والعالم، ولا سيما بعد أن قام بعملية خلط وتداخل بين مسألتين مختلفتين، وحاول، ويحاول، من خلال ذلك أن يجعل من نفسه ليس أمرًا واقعًا فحسب، بل وحتى القوة الإقليمية الأعلى شأنًا ونفوذًا في المنطقة.

منذ الأيام الأولى لتأسيس نظام ولاية الفقيه، فقد أعلن مؤسسه الخميني بأن "إسرائيل يجب أن تُمحى من دنيا الوجود"، وتزامن هذا التصريح بقطع العلاقات مع إسرائيل وفتح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية في طهران عوضًا عنها، وهذا التغيير قد حظي بترحيب واستقبال غير مسبوقين من قبل العرب والمسلمين على حد سواء، لأنه قد أظهر إيران كقوة إقليمية يُشار إليها بالبنان مؤيدة للقضية الفلسطينية. بيد أن الذي فاجأ العرب والمسلمين، وحتى جعلهم يشعرون بخيبة أمل من موقف هذا النظام من القضية الفلسطينية، هو أنه قد جعل من العمل على فرض نفوذه وهيمنته على بلدان المنطقة، وجعلها مجرد نجوم تدور في أفلاكه، سبيلًا أو طريقًا يمهّد لتحرير القدس!

وعندما اقترن برنامجه النووي المثير للجدل مع فرض نفوذه على أربعة بلدان في المنطقة، والتحذيرات المختلفة من نواياه، فقد تجاوز تهديده حدود المنطقة، ولا سيما بعد أن بات يهدد المصالح الدولية، ويحاول، من خلال سياسة اتسمت بالابتزاز، فرض آرائه في الأوضاع القائمة في المنطقة. وهذا ما كان بحد ذاته العقدة التي ارتدت سلبًا على طهران، ورسمت مسافة بينها وبين المجتمع الدولي يزداد اتساعها عقدًا بعد عقد.

كل ما قد ذكرناه لم يمر بردًا وسلامًا على النظام في داخل إيران، بل إن هتاف "لا غزة ولا لبنان روحي فداء لإيران" الذي جرى ترديده في الاحتجاجات المندلعة بوجهه، ولا سيما وأن تنفيذ كل تلك السياسات والمخططات قد كلف الخزينة الإيرانية أكثر من طاقتها، وكان الشعب هنا، ولا سيما أوضاعه المعيشية، كبش الفداء. فقد رفض سياسة التدخلات بصورة واضحة، وهذا ما قد جمع الرفض الداخلي مع الرفض الدولي لسياسات النظام الإيراني وتطلعاته المشبوهة في خندق واحد، على الرغم من الاختلافات الموجودة لكل منهما على حدة.

هذا التخندق في الموقف من النظام الإيراني دفع البلدان الغربية، التي لها مصالح واسعة في المنطقة، إلى التعويل على الشعب الإيراني لجعله أداة ضغط على النظام من جهة، وكذلك قوة ضغط لمساعدة جناح الاعتدال في طهران ليُحدث تغييرًا في السياسات الإيرانية لصالح المجتمع الدولي. وكان ذلك من خلال ممارسة البلدان الغربية لسياسة الاسترضاء، لكن ثبت رويدًا رويدًا بأن جناح الاعتدال في النظام ليس أكثر من مجرد سراب، ولذلك فقد سعت زعيمة العالم الغربي، الولايات المتحدة، للتقدّم خطوة أخرى باتجاه تشديد الضغط على النظام من خلال شن حرب محدودة ضده، كما حدث في حرب الأيام الـ12، ولكنها مرّت أيضًا من دون أن تحقق ما كان ترامب ينتظره من ورائها.

اليوم، ومع تقارير تشير إلى أن حجم الانتشار العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأيام الماضية قد بلغ مستويات قياسية، بحيث تم وصفها بالأعلى منذ حرب الأيام الـ12، فإن الأنظار تتجه إلى احتمالات أن يجري توجيه ضربة عسكرية أخرى لإيران، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تسخين الداخل الإيراني وجعله يخرج بوجه النظام مرة أخرى، بحيث يضاعف من إمكانية الاستجابة للمطالب الدولية. ولكن، وفي ظل حكم صارت له خبرة وممارسة في التعامل مع السياسات الدولية ضده وكيفية امتصاص قوة تأثيراتها، فإنه ليس هناك من أي ضمان لنجاح هذا المسعى الأميركي.

بهذا الصدد، وملاحظةً من جانب قوة سياسية معارضة للنظام من هكذا سياسات، فمن المفيد لفت الأنظار إلى أن زعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي حذّرت من أن تصاعد عنف الجمهورية الإسلامية ضد المتظاهرين قد كشف عن نظام تحت الضغط، لكنه ليس على حافة الانهيار، مجادلةً بأن طهران لن تسقط من خلال التدخل العسكري الأجنبي أو الضغط الخارجي وحده، ولكن فقط من خلال مقاومة وطنية منظمة قادرة على تفكيك آلته القمعية.

وفي حديثها في مقابلة حصرية مع 'بريتبارت نيوز'، قالت رجوي إن التطورات الأخيرة أوضحت أنه بينما أصبح حكّام إيران من الملالي أكثر ضعفًا بشكل متزايد، فإن ضعفهم وحده لن يؤدي إلى سقوط النظام.