رؤية استراتيجية متكاملة لمركز أبوظبي للغة العربية في القاهرة للكتاب

المشاركة الاماراتية تدمج بين استشراف المستقبل الرقمي عبر شراكات مع 'أمازون' وتعزيز الهوية الثقافية من خلال الجلسات الفكرية والجوائز الأدبية.

تأتي مشاركة مركز أبوظبي للغة العربية في معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2026، والتي انطلقت مع افتتاح المعرض في  21 يناير/كانون الثاني وتستمر حتى 4 فبراير/شباط، كجسد ثقافي متكامل يسعى لترسيخ حضور اللغة العربية وتطوير استراتيجياتها عالمياً. فالمركز الذي تأسس بقرار من الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان "رحمه الله" كجزء من دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، يتبنى رؤية شاملة تهدف إلى دعم المواهب في مجالات الكتابة والترجمة والنشر، وتعزيز التواصل الحضاري عبر عقد شراكات مع كبرى المؤسسات الأكاديمية والتقنية حول العالم.

ويتجلى هذا التوجه في برنامج حافل بدأ في 23 يناير/كانون الثاني بفعالية فكرية مميزة تتضمن توقيع كتاب "الرحم الاصطناعي... عالم ما بعد التكاثر البشري" للدكتور جمال سند السويدي، وهي الجلسة التي افتتحها د.سعيد الطنيجي واستشرفت بجرأة تحولات المستقبل الإنساني بالتعاون مع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.

وعلى صعيد تعزيز الحوار الثقافي، خصص المركز جلسة استراتيجية بجناح المركز لاستعراض ملامح النسخة المقبلة من معرض أبوظبي الدولي للكتاب. وتتناول هذه الجلسة، التي تحمل عنوان "فضاء تتلاقى فيه المعرفة وتتجدّد فيه التجربة"، تطور صناعة النشر ودور المعرض كمنصة دولية رائدة لتعزيز التواصل والتعاون بين الناشرين والمثقفين. وحيث استعرض د.سعيد الطنيجي، المدير التنفيذي للمركز ومدير المعرض، خلال الجلسة التي أدارتها نوف الحمادي، أبرز برامج النسخة القادمة ومحاورها المعرفية والمهنية. وفي ذات اليوم انعقدت في جناح المركز جلسة فنية بعنوان "الفنون التشكيلية واستلهام شعر الشيخ زايد: مقاربات إبداعية"، هدفت إلى تحويل المعاني الشعرية إلى رؤى بصرية معاصرة. وقد استضافت بالتعاون مع جائزة كنز الجيل، نخبة من المبدعين تضم الفنانة د.نجاة سليمان، الفائزة بفرع الفنون لعام 2025، والفنان صالح عبد النعيم صديق، المرشح للجائزة، إلى جانب د.وليد قانوش، أستاذ التصوير بجامعة الإسكندرية، بإدارة الناقد خالد منصور.

وانتقل البرنامج بعد ذلك إلى الجوانب المهنية والتحول الرقمي من خلال "ملتقى النشر الرقمي العربي - آفاق جديدة ومستقبل واعد"، وقد أقيم في القاعة الدولية بالمعرض وسلط هذا الملتقى الضوء على الشراكة الاستراتيجية بين مركز أبوظبي للغة العربية وشركة "أمازون" لرقمنة الكتاب العربي وتوسيع انتشاره على مستوى العالم، بالتعاون مع "أمازون" و"آرابوكفيرس". وجمعت الفعالية كوكبة من قيادات العمل الثقافي، يتقدمهم د.علي بن تميم، رئيس المركز، ومحمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، ود.خالد أبو الليل، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، إضافة إلى علي عبد المنعم، الشريك المؤسس لـ"آرابوكفيرس"، وممثل عن شركة أمازون، لمناقشة آليات دعم وتطوير صناعة النشر العربي في الفضاء الرقمي

وفي سياق تعميق الوعي المجتمعي، ناقش المركز بالقاعة الدولية أيضا "الدور الجوهري للثقافة كقاعدة أساسية في بناء الدول".. حيث استعرضت الجلسة الحوارية، التي تأتي بعنوان "العمل الثقافي وبناء الدول: تجارب ومحطات"، محطات مؤثرة في صناعة الوعي من خلال تجارب عربية ملهمة. ويشارك في هذا الطرح محمد المر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، ود.علي بن تميم، رئيس المركز، إلى جانب د.أحمد مجاهد، مدير معرض القاهرة الدولي للكتاب، ومحمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، فيما أدارت الحوار الإعلامية منى سالمان. وتلي ذلك بجناح المركز جلسة أدبية استثنائية بعنوان "حكايات لم تر النور بعد: رحلة في القصة القصيرة غير المنشورة". التي أقيمت بالتعاون مع جائزة سرد الذهب، وقد فتحت نافذة على نصوص إبداعية لم تصل للقارئ بعد، بمشاركة الفائزين بفرع القصة القصيرة للأعمال السردية غير المنشورة لعام 2025؛ محمد منصور ود.شريف منصور، إضافة إلى الكاتبة والباحثة ريم الكمالي، وأدارت الجلسة د.صفاء النجار.

ويمتد هذا الاستشراف حيث استضاف جناح المركز جلسة مهنية متخصصة بعنوان "استشراف المستقبل في صناعة النشر - ما الجديد؟".. ناقشت أحدث التحولات التكنولوجية والرقمية، مستعرضة ملامح مستقبل الكتاب في العالم العربي وعلى الصعيد العالمي بمشاركة علي عبد المنعم وأحمد رشاد، وبإدارة د.محمد خليف. كما خصص المركز وقفة احتفائية بمرور "عشرين عاماً من العطاء الثقافي" عبر جلسة تحتفي بجائزة الشيخ زايد للكتاب ودورها الريادي في دعم الإبداع العربي. وجمعت هذه الجلسة، التي تقام بالتعاون مع الجائزة، د.فاطمة البودي ود.أحمد السعيد ود.ريم بسيوني، عضو الهيئة العلمية للجائزة، والروائي إبراهيم عبد المجيد، الفائز بالجائزة عام 2015، وأدارها الشاعر أحمد الشهاوي

وتختتم الفعاليات يوم 4 فبراير بجناح المركز بجلسة أدبية نقدية بعنوان "سردية التيه وسؤال الهوية". وتتناول الجلسة رواية "سنوات المغر.. هوامش من سيرة الغريب" للكاتبة مريم الزرعوني، الصادرة حديثاً عن المركز، حيث تناقش المؤلفة بمشاركة د.هدى عطية، أستاذة النقد والأدب العربي الحديث بجامعة عين شمس، والشاعرة إيمان تركي ثيمات الهوية والنزوح، مع قراءة مقتطفات مختارة من العمل. وتُختتم الجلسة بفعالية توقيع الكتاب، لتؤكد هذه المشاركة في مجملها على التزام المركز الأصيل بدعم السردية العربية وتطوير الصناعات الإبداعية بأسلوب عصري يواكب متطلبات المستقبل ويؤسس لتواصل حضاري مستدام.

إن هذا الحراك الثقافي لمركز أبوظبي للغة العربية لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى إرث "معرض أبوظبي الدولي للكتاب" الذي يشكل منذ تأسيسه عام 1981 منصة دولية رائدة تجمع الناشرين والمبدعين لاستكشاف الفرص وتعزيز التعاون في الصناعات الإبداعية. ويظهر هذا البعد المؤسسي بوضوح في الجلسات الأكاديمية، حيث لا تقتصر المشاركات على الجانب الثقافي العام، بل تمتد لتشمل خبرات تخصصية دقيقة مثل مشاركة الدكتور أسامة عبد الرؤوف، عميد كلية الذكاء الاصطناعي بجامعة المنوفية، في جلسة "الرحم الاصطناعي" لاستشراف التحولات التقنية، ومشاركة الدكتورة هدى عطية، أستاذة النقد والأدب العربي الحديث بجامعة عين شمس، في تحليل أبعاد الهوية السردية.

كما تبرز في طيات البرنامج ملامح الشراكات الاستراتيجية العميقة، كالدور المحوري الذي تلعبه مؤسسة "آرابوكفيرس" (Arabookverse)   في ملتقى النشر الرقمي إلى جانب شركة "أمازون"، والتعاون الوثيق مع مكتب نائب رئيس مجلس أمناء مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في تقديم الطروحات الفكرية المستقبلية. ويختتم المركز هذا المشهد الثقافي بربط الإبداع بالتمكين المهني من خلال "برنامج قلم للكتابة الإبداعية" التابع للمركز، والذي تدير مديرته إيمان تركي الجلسة الختامية، لتأكيد دور المركز في رعاية الموهوبين ونشر أعمالهم الحديثة. ويمكن للمهتمين متابعة هذا البرنامج الحافل عبر المنصات الرقمية للمركز (abudhabialc)  وموقعه الإلكتروني (alc.ae) الذي يمثل واجهة التواصل مع استراتيجيات المركز الرامية للنهوض باللغة العربية عالمياً.