التكنوقراط ..بين الواقع المعقد والتحديات الكبرى
أثار الحديث عن تشكيل لجنة تكنوقراطية لإدارة قطاع غزة جدلاً واسعًا ليس بسبب غرابة الفكرة نفسها بل بسبب التعقيدات الكبيرة التي يفرضها الواقع على الأرض. غزة التي تعيش تحت قيود الاحتلال الإسرائيلي وتخضع لنفوذ حركة حماس ليست مكانًا يمكن فيه فصل الإدارة عن السياسة بسهولة. أي تجربة جديدة لإدارة القطاع تبدو في هذه الظروف محكومة مسبقًا بتوقعات محدودة.
لا يزال مفهوم "لجنة التكنوقراط" غامضًا في وعي الشارع الغزي. بالنسبة للكثيرين هي مجرد "حكومة بلا فصائل" بينما يستحضر آخرون تجارب سابقة من حكومات سلام فياض إلى رامي الحمد الله التي لم تُحدث أي اختراق حقيقي في حياة الناس.
في غزة، الواقع لا يرحم النظريات الإدارية الجافة. هنا السياسة والأمن والخدمات اليومية متشابكة بطريقة تجعل أي إدارة بلا جذور شعبية مجرد جهاز يتحرك فوق سطح الأرض، لا يلمس هموم الناس ولا يخفف من ضغوط الحصار والركام والكهرباء والمياه. وفي كل شارع وكل بيت، يطرح الناس سؤالهم الصريح: هل ستكون هذه اللجنة مجرد تجربة بروتوكولية تزينها الأوراق الرسمية، أم قادرة على تحويل المبادئ التكنوقراطية إلى واقع ملموس يشعر به الأطفال في مدارسهم، والنساء عند صنبور المياه، والعمال أمام الشوارع المدمرة؟
فكرة اللجنة تقول إنها فصلت الإدارة عن السياسة وركزت على تسيير الحياة اليومية، نظريًا هذا يبدو منطقيًا، لكن غزة ترفض النظريات النظيفة. السياسة والأمن والتمويل، وكل تفاصيل الحياة اليومية متشابكة بشكل يجعل أي إدارة "محايدة" عرضة للضغوط وللنفوذ الفعلي على الأرض. لذلك ليس غريبًا أن يشك كثير من الناس في قدرة اللجنة على فرض أي سلطة تنفيذية حقيقية وسط هذا الواقع المعقد.
واحدة من أهم الإشكاليات تتمثل في العلاقة مع حركة حماس فالقطاع الذي تديره الحركة يضم عشرات الآلاف من الموظفين المدنيين والأمنيين والحديث عن دمجهم أو التعاون معهم يثير تساؤلات جوهرية: هل ستصبح اللجنة صاحبة سلطة فعلية أم مجرد آلية مؤقتة لتنسيق الأمور بينما يبقى النفوذ الحقيقي بيد الحركة؟
القضية تتعلق أيضًا بالاستقلالية فغياب إطار قانوني واضح قد يجعل اللجنة عرضة للضغوط المباشرة أو غير المباشرة وقد تتحول إلى أداة لإدارة مرحلة انتقالية قصيرة قبل أن تعود الملفات الحساسة إلى القوى المسيطرة. ومن أعقد القضايا التي ستواجه الحكومة الجديدة بلا شك ملف نزع السلاح الذي يثير حساسية بالغة ويشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة أي إدارة على فرض القانون وتحقيق الأمن دون المساس بالواقع الفعلي على الأرض.
مع ذلك لا يمكن تجاهل الآمال التي يعلقها السكان على أي كيان إداري جديد فالناس في غزة بحاجة ماسة لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية من تنظيم الشوارع وإزالة الركام وتأمين مساكن وخدمات كهرباء ومياه مستقرة. وبالرغم من أن هذه الأمور تمثل الحد الأدنى للمعيشة الإنسانية لكنها تتطلب صلاحيات وموارد لا يبدو أن اللجنة ستتمتع بها بسهولة خصوصًا في ظل القيود الإسرائيلية والشروط الدولية.
بكل واقعية أي تفاؤل مبالغ فيه سيكون بعيدًا عن الواقع لكن الرفض التام لا يقدم حلولًا أيضًا فالاحتلال يبقى عاملًا معرقلًا لأي تجربة إدارة مهما كانت طبيعتها. المرحلة الحالية تتطلب مقاربة إنسانية بالدرجة الأولى والنظر إلى اللجنة كأداة لإدارة الأزمة لا كحل سياسي شامل.
غزة اليوم أمام تجربة جديدة مليئة بالشكوك أكثر من الآمال نجاح اللجنة لن يُقاس بالشعارات أو الخطابات بل بقدرتها على تحسين حياة الناس بشكل ملموس وبمدى قدرتها على التعامل مع ملفات شائكة مثل نزع السلاح التي قد تحدد مستقبل أي إدارة جديدة وحتى يتحقق ذلك يبقى السؤال مفتوحًا: هل هي بداية لمسار مختلف أم مجرد حل مؤقت ينتظر ترتيبات أكبر؟