لندن وبرلين تضغطان من أجل فرض هدنة في السودان

لندن تستثمر رئاستها الحالية لمجلس الأمن لتحويل الملف السوداني من أزمة منسية إلى أولوية قصوى.

لندن - في مرافعة سياسية وأخلاقية أمام مجلس العموم البريطاني، وضعت وزيرة الخارجية، إيفيت كوبر، المجتمع الدولي أمام مرآة مسؤولياته، واصفة الاستجابة الأولية للحرب السودانية بـ"التردد والخذلان الكارثي". ومع دخول النزاع عامه الثالث، يتحول المشهد السوداني من صراع داخلي إلى أزمة وجودية تهدد الاستقرار الإقليمي، ما دفع القوى الكبرى لإعادة ترتيب أولوياتها لوقف الحرب.

ولم يعد التحرك الدولي مجرد إدانات بروتوكولية، بل انتقل إلى مرحلة "الضغط الممنهج" عبر مسارين متوازيين، حيث تستثمر لندن رئاستها الحالية لمجلس الأمن لتحويل الملف السوداني من "أزمة منسية" إلى "أولوية قصوى"، مع التركيز على فرض ممرات إنسانية قسرية لإنقاذ 7 ملايين سوداني يواجهون شبح المجاعة الحقيقي.

ويبرز "مؤتمر برلين" المقرر عقده في أبريل/نيسان المقبل كمنصة دولية تهدف لانتزاع تعهدات مالية ضخمة، والأهم من ذلك، خلق جبهة سياسية موحدة تضم "المجموعة الرباعية" (السعودية، الإمارات، مصر، بريطانيا) والاتحاد الأفريقي، لوضع خارطة طريق ملزمة للانتقال المدني.

وتضغط هذه الدول من أجل تفعيل دور لجان تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة لتوثيق الجرائم لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، وهو ما يعزز الضغط السياسي على القادة العسكريين.

ورغم الزخم الدولي، تصطدم الجهود الدبلوماسية بجدار التصلب الميداني، حيث يظهر شرخ عميق في مواقف طرفي النزاع، إذ يواصل عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس القيادة، قائد الجيش السوداني التمسك بخيار الحسم العسكري، رافضاً بوضوح أي أطروحات للهدنة في المرحلة الحالية.

ويحلل مراقبون هذا الموقف كاستراتيجية تهدف إلى تحقيق مكاسب ميدانية في ولايات كردفان لتغيير موازين القوى قبل الجلوس لأي تفاوض مستقبلي، مراهنا على وعود بالدعم العسكري من عدة بلدان.

في المقابل، يحرص محمد حمدان دقلو "حميدتي" قائد قوات الدعم السريع على تقديم خطاب مرن يؤكد فيه استعداده للتهدئة والتفاوض لتسوية شاملة وعادلة للأزمة.

وجسدت زيارة إيفيت كوبر للحدود السودانية التشادية (منطقة أدري) الوجه القبيح لهذه الحرب. فلم تعد القضية مجرد "نزاع سلطة"، إذ تشير تقارير إلى تعرض أكثر من نصف نساء المخيمات لاعتداءات، مما دفع بريطانيا لتخصيص 20 مليون جنيه إسترليني لمواجهة هذه الوصمة وتوفير الدعم النفسي والطبي.

وتشير تحليلات إلى أن العام الحالي هو "ساعة الحقيقة" للأزمة السودانية. فثمة مساران لا ثالث لهما، إما نجاح الضغط الدولي (خاصة عبر العقوبات على شبكات توريد الأسلحة والمرتزقة) في إجبار الطرفين على هدنة إنسانية طويلة تمهد لحل سياسي وإما استمرار تدفق السلاح النوعي واتساع رقعة القتال إلى مناطق جديدة، مما قد يؤدي إلى انهيار كامل وتصدير الأزمة عبر الحدود في شكل موجات هجرة غير مسبوقة أو تنامي بؤر الإرهاب.

ولا تتطلب استعادة السودان من هاوية الدمار أموالاً وإغاثة فحسب، بل عزماً دولياً ينهي حقبة الإفلات من العقاب، ويجبر البنادق على الصمت لصالح صوت المدنيين الذين سُرقت حياتهم في صراع أعاد البلاد سنوات إلى الوراء.