تلويح فيدان بتدخل عسكري ضد 'العمال الكردستاني' يثير غضب بغداد

العراق يؤكد أنه دولة مؤسسات ونظام ديمقراطي لا يمكن مقارنته بأنظمة أخرى، مشددا على أن ملف سنجار شأن وطني خالص يدار بآليات عراقية بعيداً عن التدخلات الخارجية.

بغداد - أثارت تصريحات هاكان فيدان وزير الخارجية التركي التي ألمح فيها إلى إمكانية تدخل عسكري لإنهاء وجود حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، حفيظة بغداد التي وصفتها بأنها "إساءة" للعلاقات بين البلدين، فيما يعيد هذا التطور إلى الأذهان الضغوط التاريخية التي مارستها أنقرة لجر العراق إلى مواجهة شاملة ومباشرة مع الحزب.

وذكرت وزارة الخارجية العراقية، في بيان رسمي، أنها استدعت السفير التركي لدى العراق، أنيل بورا إينان، على خلفية تصريحات فيدان خلال مقابلة تلفزيونية في 9 فبراير/شباط. ونقل وكيل الوزارة، محمد حسين بحر العلوم، استياء بغداد الشديد، معتبراً تلك التصريحات "تدخلاً في الشأن الداخلي وتجاوزاً صارخاً للأعراف الدبلوماسية".

وكان فيدان صرح بلهجة أثارت الجدل قائلا إنه "على الحكومة العراقية أن تستفيد من تجربة الحكومة السورية، وأن تفرض هيمنتها على كامل أراضيها"، مضيفا "بعد سوريا، يأتي دور العراق، وسنذهب إلى هناك أيضاً".

وأكدت بغداد أن العراق "دولة مؤسسات ونظام ديمقراطي" لا يمكن مقارنته بأنظمة أخرى، مشددة على أن ملف سنجار هو "شأن وطني خالص" يدار بآليات عراقية بعيداً عن التدخلات الخارجية.

وفي محاولة لتهدئة الأجواء، قدم السفير التركي تبريراً استند إلى محورين، حيث أكد أن التصريحات فُهمت بشكل غير دقيق نتيجة ترجمة خاطئة، وأن المقصود كان عناصر العمال الكردستاني حصراً، مجددا تأكيد بلاده على احترام سيادة البلد وعدم التدخل في شؤونه، واعداً بنقل التحفظات العراقية إلى حكومته.

ولطالما سعت أنقرة إلى تحويل العراق من "متفرج قلق" إلى "شريك عسكري فعال" في حربها ضد حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تنظيما إرهابيا. وتتخذ هذه الضغوط عدة أشكال من بينها ربط ملفات حيوية مثل المياه وطريق التنمية بمدى تعاون بغداد في الملف الأمني.

ونفذت أنقرة على مدار الأعوام الماضية عدة عمليات عسكرية في شمال العراق من بينها عملية "المخلب - القفل"، معتبرة أن بغداد لم تقم بما يكفي لتأمين الحدود.

وضغطت تركيا طويلاً لتصنيف الحزب "منظمة إرهابية"، وهو ما استجابت له بغداد جزئياً مؤخراً بتصنيفه كـ"منظمة محظورة"، لكن أنقرة تطمح لما هو أبعد من ذلك (عمليات عسكرية مشتركة).

ويجد العراق نفسه في موقف حرج؛ فمن جهة، يرفض أن تكون أراضيه منطلقاً للاعتداء على جيرانه، ومن جهة أخرى، يرفض تحويل مدنه (مثل سنجار) إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية أو الخضوع للإملاءات العسكرية التركية التي قد تهدد السلم الأهلي وتخرق السيادة الوطنية.

وتشير حدة الرد العراقي هذه المرة إلى ضيق ذرع بغداد من الخطاب التركي الذي يتجاوز أحياناً التنسيق الأمني إلى "التوجيه السياسي"، مما يضع مستقبل التعاون الاقتصادي والأمني أمام اختبار حقيقي.

وتواجه الحكومة العراقية انتقادات حادة واتهامات بـ"الصمت المريب" أو الاكتفاء بـ"الدبلوماسية الناعمة" حيال التوغل العسكري التركي المتزايد. ويرى مراقبون أن ردود الفعل الرسمية غالباً ما تظل حبيسة بيانات الإدانة واستدعاء السفراء، دون اتخاذ إجراءات رادعة على أرض الواقع.

ويُنظر إلى اكتفاء العراق بالاحتجاج الدبلوماسي كدليل على عجز عسكري في حماية الحدود الشمالية الوعرة، مما يجعل أنقرة تستمر في عملياتها  دون خشية من رد فعل ميداني.

ويطالب ناشطون وسياسيون باستخدام ورقة التجارة التي تتجاوز 20 مليار دولار سنوياً للضغط على أنقرة، إلا أن الحكومة تتردد في هذا المسار خشية الإضرار بالاقتصاد المحلي المعتمد على الاستيراد التركي.

وفي حين تدين الخارجية الانتهاكات، تظهر أحياناً تصريحات تركية تشير إلى وجود "تنسيق" أو "تفاهمات" مع بغداد، مما يثير شكوكاً شعبية حول وجود اتفاقات غير معلنة تمنح أنقرة ضوءاً أخضر ضمنياً.