'شعبوية جديدة' لمحمد رمضان في 'أسـد' ؟

فيلم جديد ينقل النجم المصري من الدراما الشعبية المعاصرة إلى عمق التاريخ المصري في منتصف القرن التاسع عشر، ليجسد دور عبد يقود ثورة خيالية ضد العبودية والنخاسة في ظل صراع درامي يجمع بين الحب والحرية.

القاهرة - انتقل الفنان محمد رمضان من شعبويته المعروفة عن الحارة المصرية وما يموج فيها من تفاعلات في الوقت الراهن، إلى أخرى تضرب في التاريخ عما يسمى بثورة العبيد في مصر عبر فيلمه الجديد "أسد"، والذي طرح للجمهور في دور العرض مساء الأربعاء 13 مايو/آيار 2026. حاول رمضان التجديد بالعودة إلى القديم. جرى اختيار قصة من وحي الخيال عن صفحة العبيد المنسية بمصر، في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.

ربما تكون هناك قصص متفرقة عن العبيد في دول العالم. جميعها مؤثرة وجدانيا وتثير الشفقة عاطفيا وتستفز الحس الإنساني مجتمعيا. تم تناولها في أفلام عالمية مختلفة. إلا أن زاوية العبيد في مصر وغالبية الدول العربية غير مطروقة من قبل. وهي ميزة تمتع بها الفيلم المصري "أسد". أحسن مؤلفوه الإخوة الثلاثة: محمد وخالد وشيرين دياب، صنعا باختيارهم محمد رمضان لتجسيد دور عبد أسمر. من حيث الشكل والأداء والاندماج في الشخصية. فضلا عن الشعبوية المحببة للفنان المصري، وظهرت في معظم أعماله الدرامية والسينمائية.

تعد قصة العبيد في مصر من القصص المسكوت عنها ثقافيا وفنيا. بسبب قلة الأدبيات التي تكشف حقيقة الصورة، وندرة الأعمال التي تطرقت إليها أدبيا، واللغط الذي يثار حولها، وتباين الروايات بشأن ما يحمله التاريخ. عندما حاول الإخوة دياب التصدي للقضية نسجوا قصة خيالية، ووفروا لها الكثير من عوامل النجاح الفني، ما جعل فيلم "أسد" جذابا لشريحة، وربما بغيضا لأخرى. في الحالتين سيخلق العمل جدلا ثقافيا وفنيا في مصر الأيام المقبلة، لحداثة الفكرة وجرأة التعامل معها جماهيريا.

تعتمد قصة الفيلم على العبد "أسد" الذي جرى أسره من إحدى الدول الأفريقية عبر رحالة ونخاسة أوروبيين. قاموا ببيعه وجارية تكبره سنا إلى تاجر من الشام يعيش بمصر في منتصف القرن التاسع عشر، أي ابان فترة الإحتلال الإنجليزي. 

عاش "أسد" ولعب دوره محمد رمضان، والجارية وردة وجسدتها الفنانة السودانية إسلام مبارك، في كنف التاجر الشامي محروس وقام بدوره الفنان الفلسطيني كامل الباشا، وابنته ليلى وجسدت دورها الفنانة اللبنانية رزان جمال التي أثبت جدارتها من قبل في فيلم "كيرة والجن" بطولة أحمد عز وكريم عبدالعزيز. ومعهما شاب يدعى يكن مسؤول عن تجارة العبيد ولعب دوره الفنان المصري علي قاسم.

أسهم الكوكتيل العربي في تمكين المخرج المصري محمد دياب من تقديم عمل متنوع اللهجات، وإن كانت اللهجة المصرية العصرية طاغية. استثمر دياب قصة حب بدأت تتوهج بين الشاب/ العبد (أسد) وبين السيدة ليلى ليعزف على وتر العاطفة وانتصار الحب وقدرته على مواجهة المشكلات. لكن الواقع دائما ما يكون صادما في الحالات غير المتكافئة للحب. فما بالنا إذا جرت أحداثه قبل نحو قرنين، وطرفاه عبد وسيّد، والمجتمع لا يؤمن بالمساواة بينهما، في خضم سوق رائج للنخاسة؟

بالطبع سوف يصبح الوضع قاسيا جدا ويواجه صعوبات لا حد لها. هذا ما حاول صنّاع فيلم "أسد" تقديمه للجمهور. وسط القصة الغرامية/ الدرامية ظهرت الكثير من المواقف والمفارقات التي تؤكد الصراع بين فريقين. استخدمت فيها عديد من الإمكانيات الفنية التي تعزز جدرة الإخواة دياب وقدرتهم على ترك بصمة حقيقية في الفن المصري من خلال الأعمال التي تصدوا لها وشاركوا فيها تأليفا وإخراجا وبثت خلال الأعوام الماضية، في السينما والدراما، بعد رحلة طويلة للدراسة في أميركا.

يبدو أن غياب محمد رمضان عن الدراما الرمضانية في ثلاث مواسم متتالية، كان تحضيرا لهذا العمل الضخم، والذي يؤكد اصراره على تنويع الأعمال التي يشارك فيها من حين لآخر، على أمل أن يجهض من وجهوا له لوما على اقتصاره على المشاركة في أعمال تدغدغ مشاعر طبقة شعبية معينة، وأن من انتقدوه عقب مشاركته في الفيلم التاريخي "الكنز" منذ حوالي ستة أعوام لم تكن انتقاداتهم صائبة. عودته عبر فيلم "أسد" تدعم رغبته في النجاح الفني مهما كانت نوعية العمل الذي يشارك فيه.

حفل فيلم "أسد" بمشاهد عنف واسعة. استخدمت فيها الأدوات التقليدية في الصراع بين النخاسة والعبيد. قاد الأول يكن الذي يريد الزواج من ليلى بينما هي وقعت في غرام صامت بعبد مفتول العضلات (أسد) لا يخشى الموت على يد سيده. 

تمثل هذه القصة العمود الفقري للفيلم. جاءت حولها قصة تحرير العبيد وثورتهم المجهولة في مصر. ورضوخ الوالي وقام بدوره الفنان ماجد الكدواني لرغبة ابنه (ولي العهد) ولعب دوره الفنان أحمد داش، لإصدار مرسوم بتحرير العبيد دون اجبار ملاك العبيد على تطبيقه. هي زاوية أخرى للصراع الجانبين تختزل اصدار الأوامر بلا حرص على تنفيذها، ومنح الرافضين لها فرصة للممانعة والتسويف. اختفى اسم الوالي الحقيقي وولي عهده لتجنب الدخول في تراشقات حول التاريخ، خاصة أن الهدف هو التريكز فكرة العبيد وتحريرهم وليس إعادة النبش في الماضي.

تعد القصة غريبة على الواقع المصري، لأن غالبية من تناولوا التاريخ قدموا صورا مختلة. عمادها الصراع بين طبقة الحكام وبين المحكومين. ولم يأت أحد تقريبا على ذكر حال العبيد في هذه الفترة باستفاضة. 

كانت النظرة قاصرة على الأسياد وأقنان الأرض أو العمال في ذلك الوقت. وجرى تجاهل الحديث عن حال العبيد ومعاناتهم. في وقت بدأت فيه أوروبا تشهد تمردا على ظاهرة العبيد وتسعى للحد من انتشارها. وتخلت عنها غالبية دولها. هي فكرة جاء محملا ومتشبعا بها ولي العهد في مصر ليزف إلى أبيه رغبته في تحرير العبيد.

لم يكن حرص الأب على إرضاء الإبن القادم من أوروبا مبهورا بحضارتها، عملا متقنا أو نابعا من قناعة حقيقية. ما جعل اصدار مرسوم لتحرير العبيد غير جاد وواجه عقبات. لم يؤد تحالف ولي العهد مع أسد إلى تنفيذ الفكرة قسريا، وزاد من أوجاع العبيد، وتكاتف التجار والنخاسة والأسياد لنحرهم أو العودة إلى استبعادهم. 

تسبب هذا الوضع في مزيد من الأوجاع لأسد وحبيته ليلى التي تزوجها سرا وأنجب منها طفلا، قريب الشبه بأبيه. دخل الصراع مرحلة أخرى بين أسد ووالد زوجته محروس وحليفه يكن. المفارقة أن الأول ضاجع عبدة بمنزله وأنجب منها طفلا. ويكن قائد ثورة عدم تحرير العبيد جاء من رحم أم كانت في عداد العبيد ولا يعلم حقيقتها.

منح تشابك الخيوط العمل جرعة فنية كبيرة، قد تدفع شريحة من الجمهور خلال عرض الفيلم للتفاعل معها. وربما لا يجد آخرون قدرة على المتابعة، لأن الفلسفة التي قام عليها "أسد" بحاجة لنوعية خاصة من المشاهدين. حيث يخاطب جمهورا معينا. قد يكون العلم صنع خصيصا للمشاركة في مهرجانات دولية. القصة التي اعتمد عليها جذابة وتحوي أفكارا جديدة ومغرية للمغرمين بالسينما على اكتشاف معالمها.