الرواية والتاريخ: تكامل أم تنافر؟

أسئلة عديدة حارقة تواجهنا، كانت فيما مضى لاواعية وغامضة، وأنا أدخل تجربتي الأولى مع رواية أعادتني إلى زمن هادر وتاريخ ترك أوشامه على الروح.

تتعدد الأسئلة وتتصادم أحياناً حين نطرق موضوع الرواية والتاريخ. لعل أول سؤال واجهني، كإنسانة وكمبدعة تسكنها أوجاع الإنسان العربي، وأنا أدعى للجواب على هذا السؤال:

من يكتب تاريخ الوجدان؟ من يكتب تاريخ الإنسان؟

تتوالى الوقائع والأحداث وتسجل الانتصارات والهزائم عبر الزمن، يكتبها المؤرخون والمنتصرون، ما جعل الكاتب الفرنسي الشهير فولتير يقول: "التاريخ ليس إلا أكذوبة اتفق عليها"، وما جعل ميشال فوكو يقول بأكثر عقلانية ربما: "التاريخ ليس ما حدث بل ما قيل إنه حدث".

وإذا كان "التاريخ يكتب دائماً من وجهة نظر الأقوياء" كما يؤكد ذلك إدوارد سعيد، فمن يكتب الوجدان؟ ويشهد على أعماق الإنسان في الأزمان التي يسجلها التاريخ؟ وهل يمكن للكتابة الأدبية -حتى وإن بدت متجاوزة أسوار التاريخ- هل يمكن ألا يسكن بعضها التاريخ، فيكون لها منبعاً أو خلفية، تتوالى على ركح مسرحها صراعات الإنسان مع أقداره، واختلاجات وجدانه أمام أحلامه وخيباته؟

ألا تكون الرواية بذلك تعرية للتاريخ الحقيقي للإنسان، لا تكتفي بما وثقه التاريخ الرسمي، بل تسائله وتفتح أنفاقه وتضيء ما أسدل عليه الستار؟ لتكتب تاريخ الإنسان الحقيقي، لعل التاريخ بذلك يصبح "حواراً لا ينتهي بين الماضي والحاضر" كما يقول إدوارد كار؟

أسئلة عديدة حارقة تواجهنا، كانت فيما مضى لا واعية، غامضة وأنا أدخل تجربتي الأولى مع الرواية التي أعادتني إلى زمن هادر وتاريخ ترك أوشامه على الروح. رواية "دروب الفرار" التي توالت أحداثها في الثمانينات. كنت مأخوذة بقصة امرأة حالمة بإيقاظ المدينة بنغم تعزفه، وإذا بي أجدني -رغماً عني- أكتب لا قصة المرأة فقط وهي تواجه عواصف الواقع، بل أيضاً عواصف التاريخ.

ظننتني في البداية أكتب قصة (شرود) العاشقة الحالمة بالنغم، المرأة المؤمنة بأن الحب يفتح كل الدروب. ولكن التوق إلى الحب والفن يصطدم بصعود نجم التطرف الديني في مدينة هيبو، رمز المدينة العربية المسورة، ليلتقي التطرف الديني مع القمع السياسي الذي أودى بشقيق شرود، الطالب الثائر أمير وأدى به إلى الاختفاء. وإذا هي تقف وحيدة، بعد خيبتها في الحبيب الشرقي، تطاردها أخبار الوطن الصغير والكبير، من أحداث تونس إلى حرب لبنان وفلسطين، تطل عليها من التلفاز، الطفلة الفلسطينية ليلى، صديقة الطفولة، راكضة مع أمها في الطريق قبل أن تختفي في نيران انفجار سيارة مفخخة في بيروت.

تنتهي حكاية شرود إلى جريمة قتل رضيعها زهر، وتودع في مستشفى الأمراض العقلية، قبل أن يضيء رذاذ المطر النهاية وشرود تتمشى على شاطئ البحر تستعيد طيف أمير. هكذا، في وطن عربي يتربص به ويحاصره أخطبوط سرطاني ماكر، يفرض التاريخ نفسه، لتزداد حكاية شرود تأزماً مع انهيار الأوضاع في البلاد في جانفي 1980، بالتوازي مع تدهور أحوال الوطن الكبير وشراسة العدوان عليه في فلسطين ولبنان، كما يشير إلى ذلك محمد القاضي في التقديم.

يفرض التاريخ نفسه ليصبح منبعاً للكتابة وخلفية للأحداث، ولتصير الكتابة الروائية شهادة حية نابضة عن معاناة الإنسان وصرخة إدانة ضد القمع بكل أشكاله. يفرض التاريخ نفسه، دون اختيار، كما قلت في شهادة سابقة: القلم إذ ننحته من أضلاعنا، لا قدرة له على أن يختار. التجربة اللعينة تفرض نفسها وتدفع القلم ليرسم أوشامه ويكتب شهادته. شهادته على التاريخ من نوافذ أكثر رحابة وأشد صدقاً إذ تنبع من أعماق الإنسان، مع ما يضيفه المخيال للمعمار الروائي، يضيء به العتمات والخبايا التي تجاوزها التاريخ الرسمي.

نفس المرحلة من التاريخ أخذتني لكتابة روايتي الثانية "العراء". دخلتها في البداية، دون تحديد زمن أو تاريخ، لأكتب تجربة الجسد الأنثوي في مواجهة السرطان. ولكن مع الغوص في أتون التجربة الفنية، يتعمق المعنى ويصبح جسد دجلة العامري رمزاً لجسد الأرض يتسلل إليها السرطان الأكبر. وإذا "العراء" قصة الجسد بكل رموزه، على خلفية التاريخ الفلسطيني بتونس، من خلال قصة حب بين دجلة العامري التونسية وغسان سلمان الشاعر الفلسطيني المهجر القادم إلى تونس مع الفدائيين المهجرين من بيروت الحرب صائفة 1982.

تقوم الرواية على المماهاة بين جسد دجلة وجسد فلسطين. يتسلل السرطان إلى ثدي دجلة فرحمها، كما يتسلل إلى قلب فلسطين ويصل حتى قرطاج، لتقصف الطائرات الإسرائيلية حمام الشط بتونس حيث يقيم اللاجئون الفلسطينيون... ويعود السرطان الخبيث بعد عامين، في ظلمة ليل قطع فيه الكهرباء عن ضاحية سيدي بوسعيد بتونس، ليغتال القائد أبو جهاد في بيته، أمام زوجته وأطفاله، بعد قتل حارسه.

تمضي الرواية بين السرد التأليفي والتضمين من خلال قصاصات الجرائد والتسجيلات والنصوص المبتكرة، يتداخل فيها الواقعي والعجائبي والتاريخي والأسطوري، ليعلو المعمار الروائي تبدعه فنيات الرواية المعتمدة يعيد كتابة التاريخ، ولكن تاريخ الإنسان -لا الأحداث فقط- الإنسان بهشاشته وعذاباته، بضعفه وقوته في مواجهة أقداره. هكذا مضيت في "العراء"، بوعي أعمق، وتحدٍ أكبر، لأكتب شهادتي على التاريخ القريب من خلال النص الروائي.

وإذا الرحلة تمضي، تتوالى حتى النهاية، تسرد أطوار الرحلة التي شقها الجسد الأنثوي لدجلة نحو الفناء، في موازاة مع أطوار رحلة الأرض العربية نحو الخراب والضياع، تأخذنا إلى سقوط غرناطة، إلى حملات التهجير منذ 48، حتى 1982.

قد يتساءل البعض: لماذا هذا الانشغال بالتاريخ القريب الموجع، في رواية أردتها في البداية قصة حب ورواية عن الجسد الأنثوي المهدد؟ هنا تخطر قولة دجلة العامري مجيبة شقيقتها سلمى الراجية أختها المريضة عدم الاهتمام بأخبار الدنيا، تقول سلمى:

لا تشغلي بالك بالدنيا.. يكفيك ما أنت فيه. فتجيبها دجلة: الدنيا فيّ يا سلمى.. الدنيا فيّ..

هل هو النضج يعمق الرؤيا، ويزيدنا إحساساً بقيمة الرواية -الكلمة- المتجذرة في واقعها وتاريخها؟ أم هو الخطر الداهم الذي يزداد حدة في هذا الزمن، خطر محق الهويات وسرقة الأرض والتاريخ، فيقاومه الروائي بالشهادة على التاريخ وبعث ما همشه وما خلفه للنسيان؟

هنا أذكر روايتي الأخيرة "نساء هيبو وليال عشر" والتي جاءت على خلفية اغتيال عالم تونسي. كتبها التاريخ القريب كما أراد، وكما قرأها القانون الأعمى. ولكن الرواية أعادت الكتابة، باحثة في الهامش والمخفي، مع نساء هيبو الباحثات عن الحبيب الطالب نادر العلمي، مستعيدة ذاكرة سابقة للعلماء العرب المغتالين، مدينة القانون، معيدة إلى الواجهة التاريخ المنسي.

خاتمة: مع هذا، يظل السؤال: أيكفي أن تكتب الرواية التاريخ؟ أن تحييه أو تسائله؟ وتدين انحيازه للمنتصرين؟ أو أن تجعله مجرد خلفية لأحداثها؟ أيكفي ذلك لتكون الإضافة الحقيقية في استلهام الرواية للتاريخ؟

أم أن التحدي أكبر في تقديم عمل إبداعي غايته الإمتاع والإضافة، لا يكون إلا بالاشتغال العميق، لا فقط على الجانب التاريخي، بل على المعمار الفني، الذي يغنيه المخيال، فتكون بذلك الرواية إغناء للتاريخ، وأجنحة جديدة ملونة تطير به إلى الآفاق، إلى الإنسان في كل مكان، لأنها تقدم الشهادة عن الأعماق أكثر مما يقدمها التاريخ الرسمي الجاف. أولم نتعرف على تاريخ مصر ونحبه من خلال الروايات؟

أوليس الفن، بكل أشكاله، هو الحافظ الأكبر للتاريخ؟ يكفي أن نذكر ما حدث أول يوم دخول الجنود الأمريكان لبغداد: تخريب ونهب المتحف الوطني، وما يحدث الآن في لبنان من جنون القصف والتخريب لدور النشر الباعثة للكتاب والرواية.. ما دعا محمود درويش لينشد: "هزمتك يا موت الفنون جميعها، وأفلت من براثنك الخلود".

أليس الفن والرواية الآن سلاحنا لكتابة التاريخ، وإنقاذ الهوية؟