متحف أم كلثوم .. بذخ الذاكرة

رغم ازدحام برنامجي في القاهرة، كانت حاجتي ملحة وشوقي حارقا لزيارة متحف أم كلثوم. كيف لا أزور فضاء من سكنت الوجدان ودفاتر الكتابة.


بنشوة غامرة، وجدتني التقي بهم


عذوبة الموسيقى وسحر الفن الخالد الذي وحد المشرق العربي

فتح لي الحارس الباب. كنت أول زائرة تدخل متحف أم كلثوم ذاك الصباح. كانت  الساعة العاشرة والنصف. أمام دهشتي، ابتسم الشاب المسؤول قائلا: "مازال الوقت باكرا. سيأتي الزوار". اقتطع لي تذكرة الدخول بـ 20 جنيها مصريا، قبل أن يتركني أجول في فضاء المتحف المهيب بجدرانه المطلية بنبل السواد.
رغم ازدحام برنامجي في القاهرة، كانت حاجتي ملحة وشوقي حارقا لزيارة متحف أم كلثوم. كيف لا أزور فضاء من سكنت الوجدان ودفاتر الكتابة، وكانت  صوتا من أصوات  السرد وبعض دروب النجاة في روايتي "دروب الفرار"؟
وحيدة، أخذتني الممرات وصوتها الصادح الآسر بصفائه وعذوبته ارتفع صادحا في فضاء المتحف، مضيفا إلى متعة الاكتشاف، عذوبة الموسيقى وسحر الفن الخالد الذي وحد المشرق العربي.
أغدا ألقاك؟ يا خوف فؤادي من غدي
يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد
مسافرة على جناح الشوق، والنغم الجارح العذوبة، مضيت أجول في متحف أم كلثوم.

هذه الأنوار الخفية تضيء أشياء سيدة الغناء العربي في واجهات البلور وتنير صورها المعلقة إلى الجدران. هذه فساتينها المطرزة الطويلة الأكمام، بألوانها الفاتحة الهادئة. الفستان الفستقي الذي غنت به في حفلها بتونس، الأوسمة الفاخرة التي أهديت لها من الرؤساء والملوك. أسطوانات أغانيها. 
في الضوء السري خلف البلور الحاجز، استوقفتني بفرح طفولي مفكرتها، حاولت قراءة الكلمات الصغيرة  وحروف الحبر المنمنة التي خطتها  أصابعها.
توقفت طويلا، بنشوة الاكتشاف، أمام خطوط سارقي النار الذين كتبوا بأقلامهم أشعار أغانيها، أحمد رامي وأحمد شوقي وغيرهما. قصائد مكتوبة بعناية بخط أيديهم، مع بعض خربشات تصحح أحيانا بعض كلمات. "حيرت قلبي معاك' بخط الشاعر أحمد رامي. "أنت عمري" تأليف أحمد شفيق كامل. "سلوا كؤوس الطلا" بخط يد أحمد شوقي.
هناك، بنشوة غامرة، وجدتني التقي بهم. أعدت قراءة حروفهم. تلمظت قهوة عبقة معهم  بينما كان صوتها يعلو بالغناء: 
"آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابا....
أنت يا جنة حبي واشتياقي وجنوني 
أنت يا قبلة روحي وانطلاقي وشجوني....
أغدا تشرق أضواؤك في ليل عيوني؟.... 

omkalthum
مشاعر المحبة  والإكبار

مع صوتها المهلك العذوبة، وصورها وفساتينها وأشيائها الحميمة المتألقة تحت الأضواء السرية، وجدتني أحلق وأختال في عالم  بهيج  ساحر.
قبل أن أعود إلى شعرائها من جديد، في جولة ثانية، قبل الخروج، وأملي النظر بما خطت  أياديهم من بدائع الشعر، فاجأتني، أنا التونسية الزائرة، رسالة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة إلى أم كلثوم، المعروضة في ضوء إحدى الواجهات، يشكرها فيها على "الحفاوة البالغة" التي أحاطت بها حرمه في القاهرة بمناسبة أدائها لمناسك العمرة، مؤكدا لها "مشاعر المحبة  والإكبار" ومهنئا بالعام الجديد،  مع إمضاء وختم  رئيس الجمهورية التونسية.
دعيت بعدها، صحبة شابين مصريين دخلا المتحف، لمشاهدة الفيلم القصير عن حياة أم كلثوم، إخراج إبراهيم الموجي، في قاعة العرض الصغيرة التابعة للمتحف.
بعد العرض المؤكد قيمة الفنانة العظيمة والإنسانة النبيلة، لغير العارفين من السياح، عدت أجول في المتحف المهيب. ورغم توقعي في البداية أن مساحته أرحب مما وجدت، ومعروضاته أكثر مما رأيت، إلا أن بذخ الذاكرة وقيمة المحتويات التي سكنت فضاءه وعظمة سيدة الغناء العربي التي صاحبني صوتها طيلة الزيارة بروعة الفن الأصيل الخالد، أغناني كامل يومي وظل يضيء ذاكرة أيامي القصيرة في القاهرة.
أكتوبر/ تشرين الأول 2019