وراء ظاهرة هيثم الزبيدي.. حكاية روحين لم يفصل بينهما الرحيل
أبي الروحي هيثم…
اليوم لا أكتب عنك بوصفك رجلاً رحل، ولا أكتب رثاءً تقليدياً يُقال في لحظة وداع ثم ينتهي. لأنك ببساطة لم تكن حالة عابرة في حياة من عرفوك، ولأن قصتك مع منال الزبيدي لم تكن مجرد زواج يمكن اختصاره بكلمات النعي المعتادة. ما أكتبه اليوم هو شهادة وفاء وإنسانية، شهادة عن شخصين عاشا معاً حتى بات من الصعب التفريق بين أحدهما والآخر.
كنتُ دائماً أمازحك وأقول إنكما تمثلان حالة نادرة من الاندماج الإنساني، حالة بدأت تختفي في هذا الزمن. كنتما حين تدخلان أي مكان تمنحان من حولكما شعوراً غريباً بالطمأنينة؛ كأن الخير ما زال موجوداً رغم قسوة العالم.
أتذكر جيداً كيف بدأت حكايتكما. لم يكن اختيارك لمنال قرار شاب يبحث عن تجربة عابرة. كنت، رغم صغر سنك، تدرك أنك وجدت الإنسانة التي لن تتكرر. كنت واعياً بما يكفي لتعرف أن بعض الأشخاص لا يمرون في العمر مرتين، وأن خسارتهم تعني خسارة جزء خفي من الإنسان نفسه.
أما هي، فكانت امرأة استثنائية في وفائها لك. لم تكن زوجة تقف خلف رجل ناجح فحسب، بل كانت الظهر الذي استندت إليه، والقلب الذي احتواك، والإنسانة التي جعلت من نجاحك قضية شخصية تؤمن بها كما تؤمن بنفسها. أحبّتك بإخلاص نادر، ذاك النوع من المشاعر الذي لا تحكمه المصلحة ولا الظروف، بل تحكمه القناعة الكاملة بأن بعض البشر خُلقوا ليكتمل أحدهم بالآخر.
مرت السنوات أمام عينيّ كأنها شريط طويل؛ المودة، الخطوبة، الزواج، الهجرة، قدوم دنيا وعمر، تفاصيل البيت، العلاقات مع العائلة، صداقاتكما، وحتى رحلتك الأخيرة مع المرض. كنت أراقب تلك الرحلة وأرى فيها شيئاً مختلفاً عن أي قصة عرفتها من قبل. لم يكن بينكما استعراض للمشاعر، بل ممارسة يومية للرحمة والاحترام والاحتواء.
لكن الحقيقة كلها ظهرت في اللحظة الأخيرة…
لكن يا عزيزي…
كل تلك السنوات، بكل ما حملته من تفاصيل، بدت صغيرة أمام ذلك المشهد الأخير في المقبرة.
في يوم 21 مايو/أيار 2025، قرابة الساعة الثانية ظهراً، حين ووريت الثرى في مقبرة 'إيترنال غاردن'، ظننت أنني ذاهبة لتوديع رجل عزيز فقط. لم أكن أعلم أنني سأشهد أكثر لحظة إنسانية رأيتها في حياتي.
بعد انتهاء مراسم الدفن، وقفت منال أمام الجميع بهدوئها المعروف. شكرت كل من حضر، ثم طلبت من الناس أن يتركوها وحدها للحظات معك. احترم الجميع رغبتها وغادروا بصمت، أما أنا فبقيت على مسافة قصيرة، لأن وصيتك لي كانت واضحة: "ابقَ إلى جانبها".
وهناك… بدأت الحكاية الحقيقية.
لم يكن ما سمعته بكاء امرأة فقدت زوجها، ولم يكن حديث وداع عابر بين حيّ وميت. كان شيئاً أكبر من ذلك بكثير. كانت منال تتحدث إليك وكأنك تقف أمامها. بصوت مكسور لكنه مطمئن، كانت تخبرك أنها ستكون بخير، وأنها ستنفذ وصيتك، وستعتني بالأولاد، وستبقى وفية لكل الناس الذين أحببتهم واهتممت بهم.
كانت تطمئنك أنك لم ترحل فعلاً، وأن حضورك سيبقى داخلها وفي البيت وفي تفاصيل الحياة كلها.
أقسم لك يا عزيزي، في تلك اللحظة شعرت أن الموت بدا عاجزاً أمام تلك العلاقة. حتى وأنا أقف بعيداً، كنت أتخيل ردودك على كلماتها. كان المشهد أشبه بحوار بين شخصين يعرف أحدهما الآخر إلى درجة أن الصمت وحده صار لغة كاملة بينهما.
وحين رأيتها تتحدث إليك بذلك اليقين، فهمت أخيراً معنى الوفاء الحقيقي. فهمت أن المودة ليست كلمات تُقال في المناسبات، بل عهد يبقى قائماً حتى بعد الرحيل.
كنت دائماً أظن أن الحكايات الخالدة مجرد مبالغات أدبية، لكنك أنت ومنال جعلتماني أرى الحقيقة بعينيّ. جعلتماني أؤمن أن بعض العلاقات لا تنتهي حتى لو فرقتها المقابر.
واليوم، بعد عام من رحيلك، أستطيع أن أقول إن منال لم تستمد قوتها من الصبر وحده، بل منك أيضاً؛ من حضورك الذي ما زال يرافقها، ومن أثرك العميق فيها. فهي لا تعيش على ذكراك فقط، بل تكمل الطريق وكأنك ما زلت تهمس لها بما يجب أن تفعله.
لقد كنتما أكثر من زوجين ناجحين. كنتما نموذجاً إنسانياً قائماً على الاحترام، والرحمة، والأخلاق، والإخلاص. ولهذا بقي أثركما في كل من عرفكما؛ في الأبناء، في الأصدقاء، في الزملاء، وحتى في الغرباء الذين مررتم بحياتهم.
واليوم، وأنا أخاطبك بهذه الكلمات، أستطيع أن أقول لك مطمئنة:
نم بسلام يا هيثم… لأن منال ما زالت تحرس الحلم نفسه، وتحمل رسالتك كما لو أنك لم ترحل أبداً.
ولأن ما جمعكما كان أقوى من الموت وأبقى من الغياب فإن الحكايات الصادقة لا تنتهي عند لحظة الفقد، بل تبدأ منها بشكلٍ آخر.
فالوجع أحياناً لا يكون خاتمة كما نظن، بل يتحول لبداية… بداية من نفس المكان الذي كنا نظنه أنه نهاية..