عام على الرحيل.. والقلوب التي بقيت تحرس الضوء

بعض الأشخاص لا يغادرون الحياة، بل يتحولون إلى طريقة في التفكير… وهذه ربما هي أعلى درجات البقاء. 

لم تسعفني الكلمات قبل عام في ساعات رحيل الدكتور هيثم الزبيدي. كنت أتساءل: أي كلمات يمكن أن ترثيه؟ أم أنني كنت أرثي نفسي معه دون أن أدري؟ حاولت أن أكتب مقالًا في تلك اللحظات، لكن الكلمات هربت مني كما لو أنها تعترف بأن الفقد أكبر من قدرتها على الوصف.

تجربتي الإعلامية بدأت منذ عام 2004، بين الإعلام المقروء والمرئي، حيث تنقلت بين الكتابة والتجربة والممارسة، وراكمت سنوات من العمل في فضاءات مختلفة، تعلمت فيها الكثير، وأخطأت وتعلمت أكثر. لكن المرحلة التي لم أنسها، كانت حين التقينا مهنيًا وإنسانيًا، إذ لم يكن الدكتور هيثم مجرد اسم في مسار العمل، بل كان حضورًا مختلفًا يعيد تشكيل نظرتك إلى المهنة ذاتها.

في عام 2024 تحديدًا، ومع تواصلنا المهني، كان يقدّم لي ملاحظاته وتوجيهاته بطريقة لا تشبه "التوجيه الإداري" بقدر ما تشبه يدًا تمتد بهدوء لتعيد ترتيب الفكرة داخل رأسك. كان يقرأ، يسأل، يعلّق، ويترك لك مساحة لتفهم بنفسك قبل أن يُملي عليك ما يجب فعله. ومن خلال هذا التفاعل، شعرت أن قدرتي الإعلامية لم تكن تتطور وحدها، بل كانت تُصقل تحت عين خبير يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.

أتذكر موقفًا بسيطًا لكنه بقي عالقًا في الذاكرة؛ رغم شدة التعب خلال العلاج، كان يطلب قراءة مقال وصل للتو، ثم يكتب ملاحظة قصيرة جدًا، لكنها كافية لتقلب فكرة كاملة في ذهني. لم يكن يقول الكثير، لكن القليل الذي يقوله كان يكفي ليعيد تعريف المعنى الحقيقي للدقة في العمل.

حتى في أيام مرضه وساعات علاجه، حين كان الألم حاضرًا بثقله الإنساني الواضح، لم يتوقف عن المتابعة. كان يجيب، يوجه، ويقرأ ما يصل إليه من مقالات، وكأن المهنة بالنسبة له لم تكن وظيفة يمكن تعليقها، بل جزءًا من روحه التي لا تنفصل عنه مهما اشتد عليه التعب.

في تلك اللحظات، لم أتعلم منه الصحافة فقط، بل تعلمت معنى الالتزام حين يكون الجسد ضعيفًا، لكن الفكرة ما تزال قوية. تعلمت أن الإعلام ليس حضورًا أمام الكاميرا أو سطورًا منشورة، بل مسؤولية أخلاقية تجاه ما يُكتب وما يُقال وما يُترك في عقول الناس.

كان الدكتور هيثم يرى في الكاتب مشروعًا فكريًا، لا مجرد منتج محتوى. ولهذا كان يتعامل مع النصوص بحسّ الأب الذي يريد أن يرى أبناءه يكتبون أفضل نسخة من أنفسهم، لا بحسّ المسؤول الذي يفرز المواد للنشر فقط. هذا الفارق البسيط في التعامل هو ما جعل كثيرين يشعرون أن لهم علاقة شخصية بالمهنة حين عملوا معه.

وحين رحل، لم يكن الغياب مجرد فقدان شخص، بل فقدان نمط كامل من التفكير في الصحافة. نمط كان يقوم على الهدوء وسط الفوضى، وعلى احترام الفكرة قبل عنوانها، وعلى الإيمان بأن الصحافة ليست سباقًا بل بناء طويل المدى للوعي.

لكن وسط هذا الغياب، برزت صورة إنسانية لا يمكن تجاوزها؛ صورة زوجته، السيدة التي لم تتعامل مع رحيله كفقد شخصي فقط، بل كمسؤولية أخلاقية كاملة تجاه إرثه الإعلامي والفكري. لم تبتعد، ولم تختفِ خلف الحزن، بل بقيت حاضرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

لقد أصبحت أيقونة للمرأة التي لم تكتفِ بالحفاظ على الذكرى، بل حملت المشروع كاملًا. أدارت ميدل إيست أونلاين بروح من تعرف أن ما بين يديها ليس مجرد مؤسسة إعلامية، بل إرث مهني وفكري كبير بناه الراحل خلال سنوات طويلة من العمل في الصحافة العربية، سواء في موقعه أو خلال قيادته لصحيفة العرب اللندنية، حيث ترك بصمته كأحد أبرز الأصوات التحريرية التي جمعت بين الرؤية المهنية والانضباط الصحفي.

وعندما نتحدث عن زوجته، الأستاذة منال، فنحن لا نتحدث عن زوجة فقط، بل عن ذاكرة بيت كامل، عن حضن إنساني كان جزءًا من تفاصيل حياة الدكتور هيثم، وعن أمٍّ حملت في قلبها دنيا وعمر، ابناء الدكتور هيثم، اللذين شكّلا امتدادًا حيًا لمسيرته الإنسانية والعائلية. كانت منال في قلب هذه التجربة ليست فقط شريكة حياة، بل ركيزة صامتة حافظت على التوازن بين العائلة والمشروع والمرض والأمل، في أصعب اللحظات وأكثرها قسوة.

كانت زوجةً وأمًا وشريكة حياة بكل ما تحمله هذه الكلمات من عمق. وقفت إلى جانبه في أيام المرض، حين تصبح التفاصيل الصغيرة أثقل من أي حديث، وحين لا يكفي الكلام لمواجهة الألم. هناك من يرافقك في الضوء، وهناك من يثبت قربه حين ينطفئ كل شيء، وهذه كانت صورتها الأقرب إلى الحقيقة.

وفي لحظة إنسانية لا تُنسى، كان كثير من المقربين يشعرون أن علاقتها به لم تكن علاقة زوجية فقط، بل شراكة في بناء فكرة كاملة: فكرة أن الكلمة يمكن أن تكون وطنًا، وأن الوفاء ليس شعورًا بل فعلًا مستمرًا.

ما قامت به بعد رحيله لم يكن مجرد استمرار إداري، بل فعل وفاء نادر في زمن سريع النسيان. لقد اختارت أن تحرس الاسم لا بالشعارات، بل بالفعل اليومي الصامت، وأن تحافظ على ما بناه، حتى لا يتحول الغياب إلى نهاية، بل إلى امتداد مختلف للحضور.

وربما لهذا السبب، لم يعد الحديث عن الدكتور هيثم الزبيدي مجرد استذكار لشخص، بل استحضار لمدرسة كاملة في الإعلام والإنسانية. مدرسة ترى أن الكلمة مسؤولية، وأن الكاتب قيمة، وأن الاحترام هو أساس كل شيء.

بعد عام على الرحيل، يبقى حضوره في الذاكرة أقوى من الغياب، ليس لأنه كان حاضرًا في الحياة فقط، بل لأنه علّم من حوله أن الحضور الحقيقي لا يُقاس بالجسد، بل بالأثر الذي يبقى في عقول الناس بعد الرحيل.

وتبقى الحقيقة الأهم: أن بعض الأشخاص لا يغادرون الحياة، بل يتحولون إلى طريقة في التفكير… وهذه ربما هي أعلى درجات البقاء.

مهند محمود شوقي