عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي

كان يقول لي دائمًا "لا أحد يسمع حين نستمر بالصراخ". ولهذا اختار الصمت في أيامه الأخيرة، كأنه يعلّمنا درسًا أخيرًا: أن الوداع الحقيقي لا يحتاج إلى كلمات، بل إلى حضور.

في مثل هذا الوقت تمامًا من العام الماضي، كان هيثم الزبيدي يتفقد ما بقي له من أيام وساعات، كمن يلمس حدود الزمن بأصابعه الأخيرة.

ولكم أن تتخيلوا ما أوجع أن ينتظر الإنسان موته وهو بكامل وعيه، يعرف أن العدّ التنازلي بدأ، وأن الحياة — تلك التي أحبها بعناد — تتراجع خطوة خطوة.

كان يسأل القريبين منه، على ما يبعدهم من مسافات وبلدان: تعالوا كي أراكم… ربما سيكون اللقاء الأخير بيننا.

لم يكن يطلب حضورًا بقدر ما كان يطلب شهادة وداع، كأن وجودنا حوله سيؤجل النهاية قليلًا، أو سيجعلها أقل قسوة.

هكذا اقترب القدر الأزلي منه بعد خمس سنوات من مقاومة أذهلت الأطباء أنفسهم.

خمس سنوات كان فيها هيثم يفاوض الموت كما يفاوض فكرة معقدة بهدوء، بصلابة، وبشيء من السخرية التي كانت تخفي خوفه العميق.

وفي السادس عشر من مايو/اذار 2025، لوّح لنا بيديه مودعًا من دون أن يرفع يده… فقد كانت أثقل من أن ترتفع.

واليوم، بعد مرور عام كامل، أستعيد تلك اللحظة كأنها تحدث الآن.

قلت يومها: سأحتاج لوقت طويل كي أتعلم العيش من دونه… وربما لن أنجح.

وبعد عام كامل، أكتشف أنني لم أتعلم شيئًا.

ما زال الغياب يوقظني في ليلة رأس السنة، حين ضرب وتر أغنية كان يحبها ويسألني عنها دائمًا.

فكتبت عن أصدقائي الموتى في نهاية العام. كأن هيثم يختبر قدرتي على التحمّل، أو يذكّرني بأن الصداقة لا تنتهي بالموت، بل تبدأ معه فصلًا آخر من الحنين.

وما زالت الأسئلة تتراكم أمامي: كيف يمكن للمرء أن يتعلم العيش من دون صديقٍ كان جزءًا من صوته الداخلي؟ كتبت يوم رحيله: أيها الموت، لم يبق في القلب ما يكفي لتحمل مرارة أوجاعك كي تسرق منا من نحب.

واليوم، بعد عام، أجد أن تلك الكلمات لم تكن وداعًا، بل كانت بداية حزن طويل لم ينتهِ، ولن ينتهي. هيثم… ذلك الذي لا يتكرر، عام كامل، وما زلت أسمع صوته يسألني: "متى نتقاعد يا كرم؟" سؤال بسيط، لكنه اليوم يوجعني أكثر من أي شيء آخر، لأننا لم نتقاعد. ولأن الموت قرر أن يسبقنا إلى هيثم.

عام كامل، وما زلت أفتقده بطريقة تفوق الدموع في مآقيها.

عام كامل، وما زلت أتعلم — بلا نجاح — كيف أعيش من دونه.

هيثم لم يكن صديقًا فقط. كان جزءًا من الرحلة. جزءًا من الوعي وجزء من الخلاف. جزءًا من اللغة. وجزءًا من القلب الذي لم يعد كما كان.

هيثم الذي واجه الموت كما واجه الحياة بصمتٍ نبيل.

في أيامه الأخيرة، كان يخفي أوجاعه كما يخفي الكاتب مسودته الأولى، لا يريد أن يراها أحد قبل أن تكتمل. طالما حذرني من أن أخبر أحدا بمرضه! كان يعرف أن العمر يخذله مبكرًا، لكنه لم يشكُ. لم يرفع صوته. لم يطلب شيئًا. ثم ترك كل شيء.

كان فقط يريد أن يرى الوجوه التي أحبها، وأن يترك أثرًا صغيرًا من صمته في قلوبنا. كان يقول لي دائمًا "لا أحد يسمع حين نستمر بالصراخ". ولهذا اختار الصمت في أيامه الأخيرة، كأنه يعلّمنا درسًا أخيرًا: أن الوداع الحقيقي لا يحتاج إلى كلمات، بل إلى حضور.

سلامٌ عليك يا أبا عمر سلامٌ عليك يا هيثم… سلامٌ على صبرك، على حكمتك، على عنادك النبيل، على وجعك الصامت، على ابتسامتك التي كانت تخفي أكثر مما تقول. سلامٌ على عامٍ كامل من الغياب… لم ينجح في إقناعنا أنك رحلت.

سلامٌ على تلك المسافة التي تركتها في القلب، مسافة لا يملؤها أحد، ولا يخفّفها الزمن، ولا يقدر عليها النسيان.

عام كامل، وما زلت أكتب إليك كما لو أنك ستقرأ.

عام كامل، وما زلت أفتقدك كما لو أنك غبت أمس. عام كامل، وما زال السؤال نفسه يطاردني: كيف نعيش من دون الذين كانوا جزءًا من حياتنا، من لغتنا، من وعينا، من أنفسنا؟

سلامٌ عليك يا أبا عمر… فكم تغيرت بعدك لو تدري، سلامٌ على الغياب الذي لم يرحل.

كرم نعمة