ثائر الناشف: الرواية لا تنعى الحب بل تضعه في مخبر التحليل
ثائر الناشف كاتب وباحث سوري-نمساوي اشتهر بإسهاماته في مجال الفكر والأدب، يتميز أسلوبه بالعمق والتحليل، حيث يعالج موضوعات متعددة مثل الهوية، والتغيرات الاجتماعية، صدر له العديد من الروايات منها ''قيامة الروح'' و"قمر أورشليم" و"الكيميائي" التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة كتارا للرواية العربية المنشورة سنة 2023 "قلعة الملح" وحديثا رواية "رسائل من ذاكرة كازانوفا" وهى عمل أدبي يجمع بين السرد والتأمل ويعكس اهتمام الكاتب بالقضايا النفسية والفكرية التي تشغل الإنسان في العصر الحديث عن هذه الرواية والرسائل التي تحملها يدور هذا الحوار:
بداية كيف وُلدت فكرة رواية رسائل من ذاكرة كازانوفا؟
ولدت الفكرة للأسباب التالية:
تفكّك العلاقات الاجتماعية في الزمن الراهن.
الجفاف العاطفي في حياة المجتمعات العربية والأجنبية.
اللهاث وراء سراب المصالح الشخصية.
ضمور الرغبات النفسية في الحفاظ على ما تبقّى من الحب الخالي من جشع الواقع.
تغيّر مفاهيم السلوك الإنساني وأنماط الحياة بسردياتها البسيطة.
هذه الأسباب لا أزال أراها عقبة كأداء في وجه الإنسان المعاصر، ووسيلة لإلغاء وعيه العاطفي على حساب تكريس كيانه المادي.
فالرواية وفقا لتلك الأسباب المذكورة، إنما تقرع ناقوس الخطر في عالمنا الرقمي المعاصر، وترسم نمطًا افتراضيًا لجوهر العلاقات بين الرجل والمرأة للمرحلة التي تلي ذلك العالم. فالرواية هنا لا تنعي الحب ولا تُشيّعه إلى مثواه الأخير، بل تضعه من جهة في مخبر التحليل النفسي -وفقًا للأفكار التي يطرحها كازانوفا الغرب، ومن جهة أخرى على طاولة التشريح - انطلاقًا من التجارب والمغامرات العاطفية التي يخوض غمارها كازانوفا الشرق.
لماذا كازانوفا وما هو دلالته في الرواية؟
كازانوفا شخصية متعددة الأوجه مثلما يظهر على غلاف الرواية، حتى إن معظم اللوحات الفنية التي عرضت كازانوفا للعامة، لم ترسمه دون قناع، فشخصيته غير النمطية ذات التاريخ الصاخب تضعنا أمام حالة استثنائية تمتلك الذاكرة التسجيلية- كما يظهر في مذكرات كازانوفا الغرب، ورسائل كازانوفا الشرق (فرات الذهب، كمال البغدادي، قنطور) والذكاء العاطفي، فكازانوفا في الرواية لم يكن مجرد عاشق تائه بل عاشق قادر على استكشاف ألغاز الحب ومزاج المرأة، بالمناسبة هذه الرواية ليست الوحيدة التي تناولت شخصية كازانوفا في سياق الأدب العربي المعاصر، لكنها بلا شك أول رواية استخدمت الذاكرة والرحلة عبر الزمن بغية الوقوف على ماضي العلاقات العاطفية ومقارنتها بالعلاقات الراهنة. كازانوفا في هذه الرواية مختلف تماما عن الشخصية التي قدمتها الروايات كزير للنساء، إنه هنا الذاكرة التاريخية والحيّة التي تعيد تعريف مفهوم الحب على ضوء التقلّبات النفسية والاجتماعية التي يشهدها عالمنا الراهن.
اتبعت في الرواية أسلوب الرسائل لماذا؟ وهل هو الأنسب لسرد الأحداث؟
لدي تجارب روائية سابقة في سرد الأحداث والمضامين في إطار الرسائل المباشرة، لكنها في سياق هذه الرواية تبدو مغايرة لاعتبارين:
الاعتبار الأول، لا توحي للقارئ أنها من ذهن الكاتب مباشرة، بل من صلب اعترافات الشخصية الرئيسية.
الاعتبار الثاني، تزاوج بين الواقع والخيال بطريقة تحافظ على التوازن بينهما دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
إضافة إلى ذلك، فإنَّ السرد بواسطة الرسائل يمنحني المساحة الكافية لعرض الموضوعات والكشف الجريء لأدق التفاصيل دون تردد، كما يمنحني القدرة على التحليل النفسي لسمات كل شخصية على حدة بما لا يتعارض مع قواعد السرد العامة.
كيف صورت العلاقات الإنسانية داخل الرواية؟
علاقات مضطربة، عرضة للتفكك، سريعة التلاشي، هذه العلاقات نتاج أدوارنا التمثيلية التي نؤدّيها بذكاء عقلي ومكر نفسي أو بسذاجة وغباء فطري في مسرح الحياة الكبير، لا نزال نلعب ونتقاتل على خشبة ذلك المسرح منذ آلاف السنين، كانت العلاقات أكثر تماسكا في زمن كازانوفا الغرب -قبل بضعة قرون- مما هي عليه اليوم، لعل تمثيل الناس آنذاك لأدوارهم ومصالحهم في الحياة بوجههم الحقيقي جعلها متماسكة إلى حد ما، بينما أصبحت علاقاتنا اليوم عبارة عن حفلات تنكّرية في مسرح الحياة، فكُثرتْ الأقنعة واستبدالها بأخرى من حين إلى آخر أصاب العلاقات في مقتل كبير، مهمة الرواية هنا لا تنحصر في تحليل وتشخيص العلاقات الإنسانية فقط، كرواية نفسية فلسفية فحسب، بل إزاحة الأقنعة عن الوجه الخارجي بغية إظهار الوجه الداخلي، فلا يمكن فهم العلاقات بمعزل عن ذلك الكشف والتنقيب.
الرواية بها حضور لمشاعر العزلة والاغتراب، هل تعكس هذه الحالة واقعًا عامًا أم تجربة شخصية؟
قد لا تعبّر شخصية البطل بالضرورة عن شخصية الكاتب، رغم أن هناك اتجاهًا في الرواية يمثّل المزاوجة ولا يخفيها، لكنها هنا في اتجاه آخر أساسه رصد تجارب الآخرين، ثم تحليلها وسردها بسلاسة، فالرواية كما ذكرت لا تنعي الحب بل تعرّيه، ولا تفعل ذلك بدافع الخوف أو الانتقام منه إثر تجربة خاصة، فالحب بحد ذاته مفهوم مجرّد غير مُدرك حسيّاً، فنعوة الحب لا تحمل أي معنى، لكونها نجاة للشخص -صاحب النعوة- الذي لا يتقبّل فكرة الفشل العاطفي أو النفسي.
الاغتراب في النص هو اغتراب الذاكرة والنفس، إذ لا ينفصل البتة عن حياة العزلة الداخلية التي يعيشها الكثيرون وسط أجواء اجتماعية صاخبة، وهم يظنون أنهم في مأمن منها.
لغتك في الرواية تميل إلى الشعرية والرمزية حدثنا عن أسلوبك في الكتابة؟
اللغة الشعرية تعبير عن الحالة الوجدانية المتبادلة بين الكاتب والشخصيات، فالشعرية الروائية عنصر جمالي للنص يضفي عليه رشاقة وسلاسة من شأنها أن تخفف من وطأة السرد الكلاسيكي، وتزاحم الأحداث في ذاكرة القارئ، أمّا الرمزية فهي أداة تعبيرية غايتها إحاطة الأفكار الفلسفية- التي يخوض غمارها البطل والشخصيات من خلال الحوارات- لكي تكون أكثر عمقًا معرفيًا ودلاليًا وجمالاً عن طريق الإيحاء والتأويل، ومحاولة للخروج من قيود السرد والتابوهات.
هل يمكن اعتبار الرواية نقدا للمجتمع؟ أم أنها تركز على الصراع الداخلي للفرد؟
الرواية نقد موضوعي مباشر للأنماط المجتمعية المرتبطة بحياتنا كأفراد، فصراع الإنسان مع نفسه لا ينعزل عن تأثيرات المجتمع علينا، هذه الصراعات الداخلية تحيلنا إلى نقد المجتمع أولا، طالما أن الإنسان ضحية المجتمع وليس العكس دائما، فكازانوفا (فرات) ضحية مساومات الواقع، ومجتمع لا يملك أدنى درجات الإحساس بالمسؤولية تجاهه كطفل عديم الأبوين. ما لم تضطلع الرواية بدورها النقدي الرائد، فستغدو مجرّد نص أدبي منمّق، فاقد لقيمته الحقيقية في معالجة القضايا الإنسانية وإحداث التغيير فيها.
كيف تعاملت مع نهاية الرواية؟ ولماذا تركتها مفتوحة للتأويل؟
ثمة بعد درامي بسيط في نهاية الفصل الأخير مبني بقدر يسير على الدراما المنطقية التي لا تحتمل عناصر الإثارة التشويقية بقدر ما تحمل عناصر الاستنتاج، فالنهاية المفتوحة لا تقدم خلاصات ودروس لتجارب مريرة، بل فسحة للتأمل والتفكير في ما ينبغي أن تكون عليه الصورة النهائية من زاوية القارئ والناقد، فإشراكهما في تصوّر النهاية أحد أهم فنون السرد المعاصر. ولكونها رواية رمزية ذات مضمون فلسفي، فإنها لا تحتمل النهايات المحتومة المغلقة.
