'الاستبداد الشرقي' بين الفرضية الأيديولوجية والواقع التاريخي

الكتاب لحسين الهنداوي يفكّك الفرضية كفكر غربي موروث صاغه فلاسفة بناء على حتميات مناخية ودينية، مؤكدا وجود استبداد بشع في الشرق ولكن دون خصوصية حضارية أو إسلامية، ومستشهداً برؤى نهضوية.

يُعد كتاب "استبداد شرقي أم استبداد في الشرق؟" للمفكر العراقي حسين الهنداوي من الكتب الفكرية التي تتناول قضية الاستبداد بوصفها ظاهرة سياسية وتاريخية وثقافية، بل بوصفها نتاجًا لشروط السلطة وآليات الحكم وبنية المجتمع. ينطلق الكتاب من سؤال إشكالي عميق: هل الاستبداد "شرقي" بطبيعته، أم أن الشرق مجرد ساحة تاريخية ظهر فيها الاستبداد مثلما ظهر في أماكن أخرى من العالم؟

يقول الكاتب في مقدمة الكتاب: "الطغيان" و"الاستبداد" و"الديكتاتورية" مفردات لا تغيب عن قاموس حياتنا اليومية السياسي والاجتماعي والأخلاقي، ولن تغيب على الأرجح في المدى المنظور، وكأنها هي القاعدة كنزوع طبيعي لدى الحاكم وغيرها الاستثناء، لا سيما في مجتمعاتنا غير المنتهية بعد من تحولها من حالة الجماعة الطبيعية "القبيلة" القائمة على رابطة الدم والنسب، إلى حالة المجتمع السياسي أو المدني القائم على علاقة الحياة الإنسانية المشتركة.

فمنذ أقدم نصوص الفلسفة السياسية التي وصلتنا، لا سيما الإغريقية، ومفردتا "الاستبداد" و"الطغيان" تستدعيان الواحدة الأخرى تلقائياً، ومع ذلك، وحتى لو أخذناهما بمعنى واحد من وجهة نظر فلسفية وسياسية وأخلاقية برغم إمكان التمييز الشكلي بينهما لاعتبار لغوي أو قانوني، فإن هذا التماهي لا يحل مشكلة عدم وضوح معنى أو معاني أي منهما بدقة إلى الآن.

وبالبحث وُجد أن مفهومي "الاستبداد" "والطغيان" يترادفان لدى معظم المفكرين الذين تصدوا لموضوع الدولة أو السياسة منذ أفلاطون وأرسطو إلى الآن، لكن المشكلة تزداد تعقيداً عندما يجعل البعض "الديمقراطية" ظاهرة يونانية أو أوروبية، فيما يجعل "الاستبداد" خاصاً بالشرق أو بالشرق الإسلامي ولصيقاً أبدياً بها جزافاً.

وذلك لأن نعت "الاستبداد" كان منتشراً بشكل كبير في الأدب السياسي الإغريقي القديم، بل إن المدلول ذاته قادم من مفهوم إغريقي سابق وكان يعني السيد في علاقته مع العبيد.

وذهب فولتير في القاموس الفلسفي أن "الطاغية" هو ذلك "الحالم الذي لا يعرف قانوناً سوى أهوائه ويغتصب خيرات رعيته"، أما مارتينو عرف الاستبداد في القرن الثامن عشر بأنه "شكل الحكم الذي يكون فيه العاهل سيداً مطلقاً لا يحد سطوته شيء، وأن سلطته اعتباطية وهو لا يحتكم لقاعدة سوى إرادته".

أما هذا المفهوم نجده عند أهم مفكرين إسلاميين نهضويين في القرن العشرين، ومنهم عبدالرحمن الكواكبي الذي يُعرف الاستبداد السياسي أنه "تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة، وبلا خوف تبعه"، مضيفاً أن المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم.

كل هذه التحديدات تقودنا في كل الأحوال إلى القول إن "المستبد" قد يسمى ملكاً أو فرعوناً أو إمبراطوراً يصل إلى سلطة الدولة فيرى أن له الحق في الاستحواذ عليها وإدارتها وفقاً لإرادته الخاصة دون قانون.

الاستبداد الشرقي كمفهوم أيديولوجي:

أول ما ظهر مفهوم الاستبداد الشرقي ظهر في كتابات الرحالة والتجار والدبلوماسيين الذين عرفوا الشرق والشرق الإسلامي خاصة، المتمثل آنئذ بالعالمين العثماني والصفوي وبعض الدويلات في شمال إفريقيا والمغرب خاصة، ولعل ظهوره الأول كمفهوم كان في بريطانيا وفرنسا لكونهما القوتين الاستعماريتين الأوروبيتين الأكثر تطلعاً للوصول للشرق آنذاك.

إذ نجد بعض أولى تبلوراته لدى المؤرخ الإنغليزي بول ريكو في معظم مؤلفاته عن الشرق الإسلامي، وخصوصاً في كتابيه "الأحوال الراهنة للإمبراطورية العثمانية" و"تاريخ آخر ثلاثة أباطرة أتراك بين 1623 و1677"، ومنذ هذه اللحظة ولد مفهوم الاستبداد الشرقي في الذهن الغربي.

بيد أن التطور الأهم الذي حققته نظرية الاستبداد الشرقي في الفلسفة الغربية ذلك الذي تحقق على يد الفيلسوف الألماني هيغل الذي تبنى هذا المنظور، ففي هذا التفسير الهيغلي للاستبداد الشرقي الذي يأخذ بعداً فلسفياً لا تبدو الدولة الاستبدادية ممكنة الوجود فقط، بل وضرورية أيضاً آخذة شكل مرحلة رئيسية من مراحل تطور الدولة في التاريخ العالمي، وهو الشكل الأول للدولة.

الاستبداد و"نظرية المناخ" حسب مونتسكيو:

شارل مونتسكيو (1689-1755) هو المفكر الذي عمل في العصر الحديث على جعل المناخ والمدى الجغرافي إجمالاً بمنزلة العامل الأساسي في إنتاج النظم السياسية ومنها الاستبداد، ناقلاً مفهوم الحتمية المناخية في مجال علم السياسة من مجرد أفكار إلى نظرية، ما يجعله رائد "نظرية المناخ"، والواضح من كتابات مونتسكيو تأثره بالنظريات التي دارت حول تأثير المناخ على تكوين شخصية الفرد، فمن أرسطو أخذ مونتسكيو التقسيمات الثلاثة المترتبة عن القول أن هناك شعوباً مقدر لها بسبب المناخ أن تُحكم بالاستبداد، وأخرى بالملكية، وأخرى بالدستور، وأن الحكومات ثلاثة أنواع: الجمهورية، والملكية، والمستبدة، ويكفي لاكتشاف طبيعة الحكومات ما عند أقل الناس ثقافة من فكر عنها.

ويستنتج مونتسكيو، وهو استنتاج أرسطي، أن النظامين الملكي والدستوري لا يوجدان إلا في بيئة ذات مناخ معتدل، سرعان ما نكتشف بأنه يقصد المناخ الأوروبي بشكل خاص وأوروبا الغربية بالتحديد.

من خلال قراءتنا لكتابات مونتسكيو نستطيع أن نقسم القوانين المتلائمة لديه مع الحكم الاستبدادي: الأفراد هم صفر تماماً في الحكم الاستبدادي الشرقي، عبيد يمتلكهم الملك يتصرف بهم كيفما يشاء ضمن علاقة الراعي والرعية، بينما هم في الحكم الملكي في الغرب تابعون له فحسب، إنهم كأفراد العائلة بينما هو ربها، ومن جهة أخرى، إن الحكم الاستبدادي له كمبدأ الخوف، لكن الشعوب الجاهلة والمدحورة لا تحتاج لوجود عدد كبير من القوانين، كل شيء ينبغي أن يدور بموجب فكرتين أو ثلاثاً، فعندما تقومون بتربية بهيمة تحرصون على منعها من تغيير السيد والعادات وذلك عن طريق ضربها على رأسها بضربتين أو ثلاثاً وليس أكثر.

الاستبداد كقدر شرقي عند هيغل:

يرى هيغل أن الدولة الخاصة بالمبدأ الشرقي إنها الدولة اللاعقلانية والعشوائية والأكثر استبداداً في التاريخ العالمي، بل هي دولة الاستبداد الأقصى والاستعباد المطلق ضد الإنسان باعتباره ذاتاً حرة.

ويؤكد النظام الفلسفي الهيغلي أن الدولة في بلاد أو عالم ما لا يمكن أن تكون إلا انعكاساً لطبيعة الدين، فالدولة هي الناتج المباشر للدين، عندما نقول بأن الدولة تتأسس على الدين وأنها تمد جذورها فيه، فإننا نقصد جوهرياً بذلك أن الدولة تخرج من الدين وأن كل دولة محددة هي نتاج حتمي لدين محدد.

يقر هيغل بأن الإنسان كإنسان حر بطبيعته، لكنه يضيف بأن الفرد في ظل الدولة الاستبدادية مرغم بالضرورة أن يتخلى عن كل أشكال الحرية، وذلك لأن الحرية الوحيدة المسموح بها في مثل هذه الدولة هي حرية المستبد وحده، ما يقوده إلى الاعتقاد بأن الدول الشرقية جميعاً وبالضرورة دول استبدادية، وهذا المبدأ يحكم آسيا والشرق كله، لكنه يبلغ في الشرق الإسلامي ذروته، ما يجعل الدولة الإسلامية عند هيغل كالشكل الأعلى للدولة الاستبدادية.

الدولة الاستبدادية اليهودية:

الدولة المنبثقة من الديانة اليهودية لا يمكن أن تكون عقلانية مطلقاً في رأي هيغل، وإذا كانت اليهودية التاريخية السابقة على المسيحية قد أقامت الدولة فذلك فقط لأن الضرورة فرضتها باعتبارها الوسيلة الوحيدة التي تسمح للشعب اليهودي بخدمة قيمهم الروحية وأمنهم المهدد دائماً بسبب مبدأ "شعب الله المختار" الخاص بهم، لكن الغبطة الوهمية ذلك لأن الدولة اليهودية هي بالضرورة دولة سلبية، أي دولة العبودية وليست دولة الحرية، وليست الدولة في حقيقتها لأن الحرية العقلانية تتضاد مع مبدأ "الشعب اليهودي شعب مختار"، هذا المبدأ الذي جعل هذا الشعب كما يقول هيغل في تضاد أبدي مع جميع البشر.

توليفات دوغمائية:

كل هذا حاولنا إبرازه تفصيلاً في محاولة تسعى إلى التأكيد بالمقابل أن كل هذه المعطيات تثبت يقيننا المركزي وهو أن مفهوم "الاستبداد الشرقي" ونظرياته لا علاقة لهما بالعلم أو بالواقع التاريخي، إنما هو فكرة موروثة من تقاليد القرون الوسطى، على الرغم من إقرارنا الثابت بوجود ظاهرة الاستبداد في الشرق، إنها محض توليفات دوغمائية ومصدر ضرر كبير على شعوب الشرق، لكن سؤالاً جوهرياً يطرح نفسه وهو: ألا يجوز أن تكون الحياة السياسية الشرقية نفسها أغرت مفكرين كباراً كمونتسكيو أو هيغل أو ماركس أو رينان تبني تصورات كهذه حول الشرق؟ بكلمة أخرى، هناك استبداد بشع أحياناً في الشرق، ولكن ليس هناك استبداد شرقي أو استبداد إسلامي، وفي كل الأحوال، فإن موضوع "الاستبداد الشرقي" هو فرضية أيديولوجية ولا ينبغي مناقشتها إلا بصفتها هذه، أما الذين ينكرون الاستبداد في الشرق الإسلامي فليس لنا سوى أن نضع ذلك التحذير الذي أطلقه الكواكبي الكبير منذ عام 1900: "إن الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية".

د. حسين الهنداوي كاتب وشاعر ودبلوماسي عراقي، مع دكتوراه في الفلسفة بدرجة شرف من جامعة بواتييه الفرنسية متخصصاً في الفلسفة الهيغلية، وماستر وDEA في المناهج الفلسفية، ودبلوم في اللغة الفرنسية من نفس الجامعة، وبكالوريوس في الفلسفة من كلية الآداب بجامعة بغداد. تولى مسؤوليات وطنية وإقليمية ودولية رفيعة، وله مؤلفات ودراسات ومقالات منشورة في الفلسفة والفكر السياسي والأدب والترجمة، منها:

التاريخ والدولة ما بين ابن خلدون وهيغل

فلاسفة التنوير والإسلام

الفلسفة البابلية

مظفر النواب.. في أعالي الشجن

محمد مكية والعمران المعاصر

على ضفاف الفلسفة

أخاديد (مجموعة شعرية)

هيغل والفلسفة الهيغلية.