صفقة تبادل الأسرى في اليمن: فرص النجاح واحتمالات الفشل
يُعدّ ملف الأسرى والمعتقلين في النزاعات المسلحة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، بسبب بعده الإنساني المباشر والذي يمس حياة المعتقلين وأسرهم، ولما يمثله في الوقت نفسه من أداة تفاوض سياسية يمكن أن تسهم في بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة، ويشكل مدخلا أوليا لخفض التوتر وفتح قنوات الحوار، كونه مرتبطا بقضايا إنسانية لا تحتمل التأجيل أو لا تقبل التوظيف السياسي ولعل منه نقطة التقاء حتى في أكثر النزاعات تعقيدًا.
غير أن هذه القاعدة لا تنطبق دائمًا بالقدر نفسه في كل الحروب، بل تتداخل في بعضها العوامل السياسية والعسكرية والأمنية فتجعل من ملف الأسرى أحيانًا ساحة صراع إضافية، وهو ما يظهر بوضوح في الحالة اليمنية، حيث أخذ هذا الملف خلال سنوات الحرب أبعادًا أكثر تعقيدًا، وتحول إلى أحد أبرز ملفات التفاوض بين الأطراف المتنازعة، وسط جولات متكررة من الاتفاقات المحدودة التي لم تنجح حتى الآن في إنهاء معاناة آلاف الأسر أو إحداث اختراق حاسم في مسار الأزمة.
ومنذ اندلاع الحرب في اليمن قبل أكثر من عشر سنوات، ظل ملف الأسرى والمعتقلين والمختطفين واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا، كونه تحول من قضية ومعاناة إنسانية إلى ملف ضغط سياسي، وبين الحين والآخر تُعقد هذه المفاوضات حاملة معها آمال آلاف الأسر التي تنتظر خروج أحبائها بفارغ الصبر، ومع كل جولة من هذه المفاوضات تبرز التساؤلات عن مدى إمكانية تحقيق تقدم، أم أنها ستكون كسابقتها جولة تتلو جولة، والفشل مصيرها جميعًا.
ومن عادات الحروب أن ملف الأسرى يعمل على إحداث اختراق في التفاهم، ويخلق مساحة للحوار، حيث يمثل من حيث طبيعته الإنسانية هامشًا تفاوضيًا مهمًا، لكن الوضع في اليمن يبدو مختلفًا، فالملف أصبح أحد أدوات الصراع، وتتعامل جماعة الحوثي معه كملف حرب تحاول من خلاله انتزاع مكاسب سياسية، واستعادة عناصر مقاتلة وقيادات ميدانية تم أسرهم من جبهات الحرب ومواقعها المختلفة، بينما يتنوع المختطفون التابعون للحكومة الشرعية بين عسكريين ومدنيين من أساتذة الجامعات والصحفيين ومواطنين آخرين تم اقتيادهم من منازلهم ووظائفهم لتحولهم الجماعة إلى أداة حرب وتفاوض، ورغم النجاح الذي حققته بعض عمليات التبادل، إلا أنها تظل محدودة بالنظر إلى الحجم الكبير للملف، حيث ما يزال آلاف اليمنيين مجهولي المصير في السجون ومراكز الاحتجاز.
ومن الملاحظ واللافت أن جولات الحوار والتفاوض تعود، كما أسلفنا، بين الفينة والأخرى، وذلك يعود لعدة أسباب، أهمها الضغط الشعبي الذي تمارسه أسر ذوي المختطفين، وتحظى تحركاتها بتأييد شعبي نتيجة اتساع الملف واتساع رقعة تأثيره، مما جعله قضية وطنية تجاوزت الانتماءات السياسية، كما أن المجتمع الدولي ينظر إلى هذا الملف كمدخل لمحاولة بناء الثقة بين الطرفين، وأن كل نجاح لعملية تفاوض يعد من وجهة نظر المجتمع الدولي، خطوة صحيحة باتجاه السلام لإنهاء الحرب، بالإضافة إلى أن كلا الطرفين أصبح بحاجة إلى خطوات تعمل على تخفيف الضغط الداخلي والخارجي عليه، خصوصًا جماعة الحوثي التي تواجه انتقادات حادة جراء انتهاكاتها لحقوق الإنسان داخل السجون، وتحدثت عن ذلك تقارير محلية ودولية، أبرزها تقارير مجلس الخبراء بشأن اليمن.
مؤخرًا وقعت الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي صفقة للإفراج عن ما يزيد عن 1700 أسير ومختطف، وبحسب مراقبين فإن هذه الجولة فيها بارقة أمل للنجاح، كما أنها لا تخلو أيضًا من عقبات قد تؤدي لفشلها أسوة بما سبقها من الجولات، ومن أبرز فرص النجاح:
طول هذا الملف وجانبه الإنساني الذي يمثل معاناة آلاف الأسر اليمنية.
وجود رعاية دولية وإقليمية، فالأمم المتحدة لها دور بارز في تقريب وجهات النظر، كما أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تلعب دورًا كبيرًا في تحقيق هذه الصفقة.
ترتبط هذه الصفقة بتحركات أخرى موازية لمحاولة إنهاء الحرب في اليمن، وفي ظل هدنة مستمرة منذ أعوام، ورغم هشاشتها إلا أنه يمكن البناء عليها لتحقيق اختراق في الملف اليمني برمته.
حالة الإرهاق والإنهاك العسكري للطرفين يمكن أن تدفعهما لتحقيق تقدم في الملف كتعبير عن رغبة بالتوصل لاتفاق ينهي الحرب التي أضرت باليمن عمومًا.
ويرجع مراقبون أسباب الفشل إلى الخلاف الدائم والمستمر حول تعريف الأسرى، كون أسرى الحكومة الشرعية، كما أسلفنا، لا يعدون أسرى حرب بل هم مختطفون مدنيون، إضافة إلى أزمة الثقة بين الطرفين، ومحاولة جماعة الحوثي المستمرة لاستثمار هذا الملف لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية على حساب جانبه الإنساني.
ويبقى السؤال المهم: هل يمكن أن تشكل هذه الصفقة، إن تمت، بداية الحل للأزمة اليمنية، أم أنها ستمر مرور الكرام كسابقاتها؟ والمرجح أنها لن تحدث أثرًا، وسيظل الطرفان متمسكين بموقفيهما، ولن تكون نهاية هذه الحرب إلا بمواجهة عسكرية تُحسم لصالح أحد الطرفين، والمعطيات الحالية تؤشر إلى أن فترة انقلاب وتمرد جماعة الحوثي شارفت على نهايتها، وأن اليمن على موعد مع الخلاص من الجماعة ومليشياتها التي سامت اليمن واليمنيين سوء العذاب.