عيد غزة تحت القصف وبين الركام والأشلاء
غزة - حلّ عيد الأضحى هذا العام على قطاع غزة مثقلاً بآثار الحرب والدمار، فيما غابت مظاهر الفرح والاحتفال التقليدية تحت وقع القصف الإسرائيلي المستمر والنزوح المتكرر، ليجد الفلسطينيون أنفسهم بين ركام المنازل والمخيمات المؤقتة بدلاً من أجواء العيد المعتادة.
وقبيل ساعات من حلول العيد، تحوّل حي الرمال غربي مدينة غزة، أحد أكثر المناطق ازدحاماً بالمتسوقين، إلى ساحة دموية بعدما شنّت الطائرات الإسرائيلية غارات عنيفة استهدفت بناية سكنية وسط منطقة مكتظة بالمحال التجارية والمدنيين.
وأسفرت الغارات عن مقتل ستة فلسطينيين، بينهم نساء وأطفال، بينما تناثرت أشلاء الضحايا في الشوارع وعلى أسطح المباني المجاورة، في مشهد صادم غطّى على أجواء الاستعداد للعيد، وحوّل الأسواق التي كانت تعج بالمتسوقين إلى مناطق يلفها الدمار والغبار.
وخلال لحظات، اختفت أصوات الباعة وتكبيرات الأطفال، لتحل محلها صرخات المصابين واستغاثات الأهالي، فيما هرع السكان بحثاً عن أماكن آمنة، في مشهد يتكرر بشكل شبه يومي رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ منذ العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ومع بزوغ فجر العيد، ارتفعت تكبيرات المصلين من بين ركام المساجد المدمرة وخيام النزوح المنتشرة في أنحاء القطاع، حيث أقام آلاف الفلسطينيين صلاة العيد في ساحات مفتوحة وأراضٍ خالية، بعد أن دمرت الحرب مئات المساجد وألحقت أضراراً جسيمة بعشرات أخرى.
وفي المقابل، كانت مشرحة مستشفى الشفاء بمدينة غزة شاهدة على الوجه الأكثر قسوة للعيد، إذ انشغل ذوو الضحايا بتكفين أحبائهم وإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم، بدلاً من الانشغال بشراء الأضاحي أو التحضير للاحتفال بالمناسبة.
وغابت الأضاحي عن معظم مناطق القطاع للعام الثالث على التوالي، بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على المعابر ومنع إدخال المواشي، ما حرم آلاف العائلات من أداء شعيرة الأضحية التي تمثل أحد أبرز مظاهر عيد الأضحى.
وتحاول بعض الجمعيات الخيرية التخفيف من معاناة السكان عبر ذبح أعداد محدودة من الأضاحي أو توزيع لحوم مبردة مستوردة، إلا أن تلك الجهود تبقى محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات الإنسانية المتزايدة لأكثر من مليوني فلسطيني يعيشون ظروفاً معيشية قاسية.
أما الأطفال، الذين اعتادوا استقبال العيد بملابس جديدة وألعاب وحلوى، فقد بدت على وجوههم ملامح التعب والخوف، وسط غياب الأسواق والمتنزهات وأجواء الاحتفال التي كانت تميز العيد في غزة قبل الحرب.
وفي خيام النزوح المنتشرة بمراكز الإيواء، يحاول الأهالي خلق لحظات فرح مؤقتة لأطفالهم رغم الجوع والخوف وفقدان الأحبة، بينما يبقى صوت الطائرات الحربية الإسرائيلية حاضراً في السماء، مذكّراً السكان بأن الحرب لم تغادر القطاع حتى في أيام العيد.
ومنذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد قطاع غزة معظم مظاهر الحياة الطبيعية، بعدما دمرت العمليات العسكرية أحياء سكنية واسعة ومساجد وأسواقاً ومرافق مدنية، وأجبرت مئات الآلاف من الفلسطينيين على النزوح المتكرر.
ووفق معطيات فلسطينية رسمية، خلّفت الحرب أكثر من 72 ألف قتيل وما يزيد على 172 ألف جريح، إلى جانب دمار طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية في القطاع.
وتقول منظمات دولية إن سكان غزة يواجهون أوضاعاً إنسانية كارثية تشمل نقص الغذاء والمياه والدواء ومواد الإيواء، في ظل استمرار القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية.
وفي وقت سابق الأربعاء، أعلنت حكومة غزة أن إسرائيل ارتكبت أكثر من 3000 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار منذ بدء سريانه، ما أسفر عن مقتل 910 فلسطينيين وإصابة الآلاف، متهمة تل أبيب بمواصلة القصف والحصار ومنع إدخال المساعدات الأساسية إلى القطاع.