من السويس إلى طهران: هل بدأ الانكسار الأميركي

عصر الإملاءات الأحادية ولى وإخضاع القوى الإقليمية بالقوة المجردة وحده لم يعد شيكاً على بياض يمكن صرفه في أي وقت.

مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها أخيراً لوضع حد للحرب الأميركية- الإيرانية، استغرق إعدادها ما يقرب من شهرين، وهي لا تتجاوز الصفحة ونصف الصفحة، على حسب تصريحات جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي. مع ذلك فإن المفاوضات النهائية التي ستبحث في القضايا الرئيسية مثل الملف النووي ورفع العقوبات ستستمر 60 يوماً!

بنسبة كبيرة فإن الأمر قد يتجاوز هذا الرقم بمراحل، فالرئيس دونالد ترامب، كان هدفه الأول وضع حد للانزلاق الأميركي في الخليج، وما بعد ذلك يمكن تركه لما تؤول إليه طاولة المفاوضات، ومهما طالت المدة فهي على أقل تقدير نتائجها لن تكون بمردود الحرب التي كانت بمثابة مشاهد حية يتابعها العالم لحظة بلحظة على الحدود الحقيقية لقوة الولايات المتحدة، وهي لم تعد قادرة على إخضاع إيران المحاصرة، والمنهكة عسكرياً، واقتصادياً، واجتماعياً.

ربما تُشْبَهِ الحربُ الإيرانية الأميركية الحالية حربَ السويس عام 1956 من القرن الماضي، هناك كانت الإمبراطورية البريطانية التي توشك أن تغيب عنها الشمس قد أُزيحت بعد الحرب العالمية الثانية لتحل محلها الولايات المتحدة الأميركية. والآن قد تختلف الصورة، لكن في النهاية بعض المظاهر تشير إلى أن هذا بداية النهاية.

حرب السويس، أو ما نعرفه في أدبياتنا السياسية بـ"العدوان الثلاثي"، لم تكن مجرد معركة عسكرية حول ممر مائي، بل كانت "لحظة كاشفة" ومفصلية أعلنت رسمياً موت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس (بريطانيا) ومشاركتها فرنسا، وشهادة ميلاد صعود القطبين الجديدين آنذاك: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. لقد ظنت لندن أنها تمتلك القدرة والغطرسة الكافية لتأديب القوى الصاعدة وإعادة فرض مشيئتها، لكن الصدمة جاءت من حليفتها واشنطن التي وجهت لها ضربة سياسية واقتصادية قاضية أنهت دورها كقائد للنظام الدولي.

الربط بين ذلك المشهد وبين المواجهة الإيرانية الأميركية يرتكز على عدة مظاهر تعزز فرضية "بداية النهاية" للقوة الأميركية المطلقة، وإن اختلفت التفاصيل.

بريطانيا عام 1956 كانت تعاني من إنهاك اقتصادي وعسكري بعد الحرب العالمية الثانية، لكن كبرياءها الإمبراطوري دفعها لخوض معركة السويس التي لم تكن قادرة على تحمل تبعاتها الاستراتيجية. وبالمثل، تبدو الولايات المتحدة اليوم في مواجهتها مع إيران وحلفائها الإقليميين وكأنها تقع في فخ "التمدد الإمبراطوري الزائد".

إن خوض مواجهات عسكرية واقتصادية مفتوحة واستنزافية في الشرق الأوسط، بالتزامن مع الانشغال بالجبهة الأوروبية ضد روسيا، والتحدي الوجودي مع الصين في مضيق تايوان، يضعف القدرة الأميركية على حسم الأمور، ويجعل من هذه المواجهات ثقباً أسود يلتهم الهيبة والقدرة العسكرية الواحدة تلو الأخرى.

في السويس، تراجعت بريطانيا وفرنسا ليس فقط بسبب الضغط السياسي، بل لأن أدوات الاستعمار التقليدي لم تعد صالحة لفرض الإرادة على الشعوب والقوى الإقليمية الصاعدة. واليوم، ورغم الفارق الهائل في ميزان القوى العسكري لصالح واشنطن، فإن مواجهة إيران تظهر عجز "البطش العسكري" التقليدي عن تحقيق انتصارات حاسمة ونظيفة.

حرب المسيرات، والصواريخ البالستية، وحروب الوكالة والشبكات الجغرافية المعقدة، أفقدت حاملات الطائرات الأميركية بريقها الردعي، وجعلت كلفة أي مواجهة مباشرة باهظة ومفتوحة على احتمالات غير مضمونة، وهو مظهر واضح من مظاهر تراجع الهيمنة.

في عام 1956، كانت أميركا هي القوة الفتية والجديدة التي تتحرك بذكاء لإزاحة بريطانيا وإرثها الاستعماري لترث نفوذها. أما اليوم، فالصورة معكوسة: الولايات المتحدة هي القوة العجوز أو "الإمبراطورية المتراجعة" التي تدافع عن إرث هيمنتها، بينما هناك أقطاب صاعدة (مثل الصين وروسيا) لا تتدخل في المواجهة بشكل عسكري مباشر، بل تراقب المشهد وتدعم الطرف الإيراني دبلوماسياً واقتصادياً، وتستثمر في الاستنزاف الأميركي. هذه القوى تنتظر اللحظة المناسبة لتملأ الفراغ، وتقدم نفسها للشرق الأوسط والجنوب العالمي كشريك مستقر لا يفرض شروطاً سياسية أو عسكرية غاشمة.

كما انفضت واشنطن عن لندن في السويس لترسيخ مصالحها الخاصة، نرى اليوم تفككاً صامتاً في جبهة الحلفاء التقليديين لأميركا، فالعديد من الدول الأوروبية، وحتى القوى الإقليمية في المنطقة، لم تعد تندفع خلف التوجهات الأميركية الصدامية في هذا الملف؛ لأنها تدرك أن مصالحها وأمنها الاقتصادي وإمدادات الطاقة ستكون هي الضحية الأولى لأي مغامرة أميركية غير محسومة العواقب، مما يترك واشنطن معزولة سياسياً في كثير من قراراتها التصعيدية.

المواجهة الحالية قد لا تنتهي بـ"سقوط مدوٍ ولحظي" للولايات المتحدة كما حدث لبريطانيا بعد السويس مباشرة، فالقوة المادية لأميركا لا تزال ضخمة، لكنها بالتأكيد تؤرخ لـ"مرحلة الأفول التدريجي". إنها تعكس عجز القوة العظمى عن فرض إرادتها بالكامل، وتحولها من صانع للحلول والنظام إلى طرف مستنزف في صراعات لا تنتهي، وهو ما يعزز فرضية أننا نعيش مخاض ولادة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، يتشكل فوق أنقاض الغطرسة الأحادية.

الخلاصة، أنه بلا شك هناك قوى جيوسياسية (الصين وروسيا وحالياً كوريا الشمالية) تلعب دوراً يضفي بعداً دراماتيكياً على أحداث الخليج، لكن أيضاً التهديدات الأميركية التي سبقت التوقيع بضرب محطات الطاقة والجسور بهدف إجبار طهران على تقديم تنازلات سريعة في ملف اليورانيوم المخصب، تضعنا أمام تفكيك حقيقي لمنطق "حافة الهاوية" الذي تدار به المفاوضات الحالية تحت وطأة الاستنزاف.

حتى لو فشلت مفاوضات الـ60 يوم وهو أمر غير مستبعد، فإن العودة للغة الصواريخ والضربات المتبادلة هو اعتراف ضمني بأن أدوات الإكراه الأميركية وصلت إلى سقفها دون تحقيق الهدف السياسي المطلوب، فالقوة العارية عندما تعجز عن فرض شروطها وتحقيق حسم دبلوماسياً سريع، تتحول إلى أداة استنزاف متبادل تضعف من هيبة القوة العظمى وتؤكد المؤكد: أن عصر الإملاءات الأحادية قد ولى، وأن إخضاع القوى الإقليمية بالقوة المجردة وحده لم يعد شيكاً على بياض يمكن صرفه في أي وقت.