بين الشعاراتية والتسويات الكبرى... هل يدخل المحور الإيراني اللبناني مرحلة سياسية جديدة

​ في حال صمد الاتفاق الأميركي – الإيراني وتحول إلى أمر واقع وثابت في السياسة الدولية، فإن الأولوية لمراكز القرار في العالم ستنتقل فوراً من مرحلة "إدارة الحرب" إلى مرحلة "إدارة التسوية".

منذ عقود طويلة، استقرت السياسة في منطقة الشرق الأوسط على قاعدة واحدة ثابتة وهي منطق الصراع المستمر. وفي هذه البيئة، تحولت الشعارات الكبرى إلى مجرد أدوات للتعبئة الجماهيرية، تستحضرها الأنظمة والقوى السياسية لشدّ عصب الشارع وتبرير الأزمات العميقة في الداخل.

ومع كل منعطف اقتصادي أو أمني صعب، كان الخطاب العاطفي المشحون يتقدم ليتصدر المشهد على حساب لغة المصالح والحسابات الواقعية الباردة.

​وضمن هذه الاجواء ظهر مفهوم الشعبوية السياسية كأداة رئيسية من أدوات إدارة الحكم والجمهور في المنطقة. هذه الشعبوية لا تنشغل بتقديم حلول حقيقية أو مدروسة للمشكلات المعقدة، بل تعتمد على تبسيط الواقع الشديد وتقسيمه بحدة إلى معسكرين لا يلتقيان: "شعب نقي ومظلوم" في مواجهة "نخب فاسدة" أو "أعداء يتربصون به في الخارج". والركيزة الأساسية هنا هي اللعب على أوتار الخوف، وإثارة الهويات والانتماءات، بدلاً من طرح برامج سياسية واقتصادية قابلة للتطبيق.

​ويمثل النموذج الإيراني منذ عام 1979 أحد أوضح الأمثلة على هذا الخطاب؛ حيث رفعت طهران شعارات الدفاع عن المستضعفين في الأرض ومواجهة الهيمنة الغربية، وجعلت من هذه العناوين جزءاً لا يتجزأ من هوية النظام نفسه.

غير أن العقوبات الاقتصادية القاسية، وتراجع مستويات المعيشة، مع اتساع الفجوة الصادمة بين تلك الشعارات المرفوعة والواقع المعيشي الصعب، دفع فئات واسعة من الشعب الإيراني خلال السنوات الأخيرة إلى رفع الصوت والمطالبة بضرورة إعطاء الأولوية للاقتصاد وللداخل الإيراني، بدلاً من استنزاف المقدرات في صراعات إقليمية مفتوحة لا تنتهي.

​بناءً على هذا المشهد، تقف إيران اليوم أمام مفترق طرق تاريخي بكل معنى الكلمة، فبعد أشهر طويلة من المواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، وحالة التوتر الشديد التي سادت مياه الخليج ومضيق هرمز، تكشف المعطيات السياسية المتداولة خلف الكواليس عن اقتراب توقيع تفاهم أميركي – إيراني تجري صياغته برعاية دولية.

ويدور الحديث حالياً عن ترتيبات لمراسم توقيع مرتقبة في سويسرا، بمشاركة مسؤولين إيرانيين كبار في تفاصيل هذه العملية السياسية. كما تنقل مصادر متعددة أن هذا الاتفاق الإطاري يتضمن بنوداً لوقف المواجهات الميدانية، وإعادة فتح الممرات البحرية الحيوية، والدخول في مرحلة تفاوضية جديدة ومختلفة.

​لكن العائق الحقيقي أمام هذا التحول لا يبدو خارجياً وحسب، بل إن جذوره ممتدة في الداخل الإيراني أيضاً، إذ يبرز انقسام حاد ومكشوف بين تيارين: الأول يرى أن الاستمرار في خيار المواجهة المفتوحة سيؤدي حتماً إلى استنزاف مقومات الدولة والمجتمع حتى الإنهاك، بينما يرى التيار الآخر أن الذهاب نحو اتفاق في هذا التوقيت بالذات هو بمثابة تنازل مجاني عن أوراق القوة الإقليمية التي ما زالت طهران تقبض عليها وتناور بها.

​وفي الضفة الأخرى، لا تحاول إسرائيل إخفاء قلقها البالغ من أي تسوية محتملة قد تمنح النظام الإيراني فرصة للبقاء واستعادة عافيته الاقتصادية. وبينما تظهر واشنطن ميلاً واضحاً نحو خيار احتواء طهران وجذبها إلى مظلة تفاهمات طويلة الأمد، تنظر تل أبيب إلى إيران باعتبارها الخطر الاستراتيجي الأول والوجودي عليها، وبالتالي تفضل استمرار فرض أقصى درجات الضغط والحصار لمنعها من التقاط أنفاسها أو إعادة ترتيب بيتها الداخلي والإقليمي.

و​في وسط هذه الأمواج المتلاطمة، يجد لبنان نفسه مجدداً عند نقطة التقاطع الحرجة للمصالح الإقليمية والدولية، ففي حال صمد الاتفاق الأميركي – الإيراني وتحول إلى أمر واقع وثابت في السياسة الدولية، فإن الأولوية لمراكز القرار في العالم ستنتقل فوراً من مرحلة "إدارة الحرب" إلى مرحلة "إدارة التسوية". وفي هذه الحالة، ستتصاعد الضغوط الدولية لإنهاء الملفات العالقة على الحدود الجنوبية، والعمل على تعزيز سلطة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، وفتح طاولة تفاوض طويلة ومعقدة حول مستقبل السلاح غير الشرعي والترتيبات الأمنية على الحدود.

​وعلى العكس من ذلك، إذا تمكن المتشددون في المعسكرات المختلفة من تفخيخ هذا الاتفاق وتعطيله أو إسقاطه كلياً، فإن المنطقة برمتها ستنصاع لموجة تصعيد جديدة وأكثر خطورة. وسيكون لبنان بطبيعة الحال من أكثر الساحات تأثراً وتضرراً من هذا الفشل، سواء عبر تواصل الاستنزاف الأمني الميداني، أو من خلال تضاعف التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي تنهك المواطن اللبناني.

​من الواضح أن الواقع الحالي يختلف جذرياً عما كان عليه قبل أعوام، فالأزمات الاقتصادية الخانقة باتت تشكل عامل ضغط ثقيل لا يمكن لأي طرف تجاهله، والناس في شوارع عواصم المنطقة لم يعودوا ينشغلون بالشعارات الكبرى، بل يطالبون بالحد الأدنى من العيش الكريم، وفرص العمل، والاستقرار الأمني. من هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه الآن ليس من الذي انتصر ومن الذي هزم، بل هو: هل تملك دول المنطقة وقواها القدرة الفعلية على الانتقال من زمن الصراع المفتوح المدمر إلى زمن التعايش المنظم والمحكوم بقواعد واضحة؟

و​بطبيعة الحال، لم تظهر الإجابة النهائية والحاسمة بعد، لكن المتابعة الدقيقة للمؤشرات الراهنة توضح أن الشرق الأوسط يتهيأ لولادة مرحلة جديدة بملامح مختلفة؛ مرحلة قد لا تنهي الصراعات التاريخية بشكل كامل، لكنها بالتأكيد ستغير شكل اللعبة، وتستبدل أدواتها، وتبدل أولوياتها للسنوات القادمة.