كيف يعيد التفاهم الأميركي الإيراني رسم الخريطة اليمنية؟

أي اتفاق أو مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران ستنعكس على المشهد اليمني عبر مسارات مختلفة.

لا يمكن قراءة تأثير أي تفاهم أو اتفاق أميركي إيراني على اليمن بمعزل عن طبيعة العلاقة بين ميليشيات الحوثيين والنظام الإيراني، والتي تتجاوز مجرد التحالف العابر إلى الشراكة المحورية والوظيفية ضمن ما يسمى بـ"محور المقاومة".

 ويستند ذلك إلى التكامل الجيوسياسي بين إيران وأذرعها؛ فقد برزت ميليشيات الحوثيين كورقة استراتيجية لا غنى لطهران عنها، خاصة في التحكم بمضيق باب المندب كأحد أهم ممرات التجارة العالمية، وهو ما انعكس في التناغم الواضح بين تصريحات قيادات ميليشيات الحوثيين والمسؤولين في طهران بشأن جهوزية إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة الدولية كأداة ضغط إقليمية.

بات من المؤكد الارتباط العسكري والسياسي أو الديناميكية الطردية بين إيران وميليشيات الحوثيين؛ حيث لوحظ بوضوح أن الخطاب والسلوك العسكري لميليشيات الحوثيين يتصاعد نبرة وتأثيرًا طرديًا مع كل تصعيد إيراني في المنطقة، سواء ضد دول الخليج أو في سياق المواجهة مع أميركا.

 بالنظر إلى الأحداث الأخيرة، بما فيها اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وميليشيات الحوثيين بوساطة عُمانية في مايو 2025، والذي كرّس ميليشيات الحوثيين كلاعب إقليمي لا يمكن تجاهله؛ لذلك فإن أي اتفاق أو مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران ستنعكس على المشهد اليمني عبر مسارات مختلفة، تشمل قراءة ميليشيات الحوثيين النفسية والسياسية للاتفاق، التي ستؤدي إلى تعزيز تعنتها وصلابتها من خلال سردية الانتصار الإلهي، إذ ستقوم طهران بتسويق أي اتفاق مع واشنطن على أنه انتصار تاريخي للمحور، وهو ما ستتلقفه ميليشيات الحوثيين في اليمن بذات القراءة.

 وسينعكس هذا الشعور بالانتصار على سلوكهم السياسي الداخلي والإقليمي، ويقود إلى التصلب في أي مفاوضات قادمة، ويجعل ميليشيات الحوثيين أكثر تشبثًا بمواقفها وأقل مرونة في التعاطي مع مبادرات السلام التي تقودها الأمم المتحدة. وحتى في حال انخراطها في مفاوضات فستدخلها من موقع الطرف المنتصر والمملي للشروط، مستندة إلى فشل الضغوط الدولية في كسر إرادتها.

 كما سينعكس الاتفاق على التموضع الإقليمي والدولي عبر تثبيت صفة الفاعل الإقليمي؛ نظرًا للدور الذي حاولت ميليشيات الحوثيين أن تلعبه في إسناد جبهات المحور؛ عبر إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل والتهديد باستهداف السفن، الأمر الذي كرّسها كرقم صعب في معادلة الصراع الشرق أوسطي الراهن.

لن تفرط إيران بورقة اليمن، فالردود العسكرية الإيرانية المباشرة لحماية حلفائها، مثل ردها على الضربات الإسرائيلية ضد حزب الله، عززت ثقة الميليشيات الحوثية المطلقة بالنظام الإيراني كحليف موثوق، مما يعمق الارتباط البنيوي بينهما في أي تسوية قادمة، سواء على مستوى مسار التسوية الإقليمية أو المحلية.

إذا دفع الاتفاق الأميركي الإيراني نحو تقارب أعمق بين الرياض وطهران بخصوص الملف اليمني، فقد يؤدي ذلك إلى صياغة تسوية سياسية برعاية إقليمية دولية، ستصطدم هذه التسوية بعقبة رئيسية تتمثل في اتساع الفجوة البنيوية بين ميليشيات الحوثيين والسلطة الشرعية اليمنية؛ فهناك هوة شاسعة وغير قابلة للجسر بسهولة بين رؤية ميليشيات الحوثيين للسلطة كحق إلهي، وموقفها من دول الجوار وبالذات المملكة العربية السعودية، فضلاً عن كونها جزءًا أصيلًا من أجندة إيران، وبين السلطة الشرعية اليمنية ومن خلفها ملايين اليمنيين ومرجعياتهم الوطنية وثوابتهم الجمهورية والعربية، التي تتناقض مع مشروع ميليشيات الحوثيين.

هذا التباين الحاد في موازين القوى والتصورات سيجعل أي تسوية سياسية هشّة ومفصّلة على مقاس موازين القوى، وبناءً على هذه المعطيات؛ فإن الرأي القائل بأن الاتفاق الأميركي الإيراني سيعزز موقف الميليشيات الحوثية قد يكون أقرب للواقعية السياسية؛ فيما لو استفادت إيران من الاتفاق مع أميركا، وحافظت على أوراق القوة لديها وتحسنت أوضاعها الاقتصادية والعسكرية.

إن الاتفاق بين إيران وأميريا قد يعطي ميليشيات الحوثيين حافزًا سياسيًا ومعنويًا كبيرًا للتمسك بمكاسبهم، وسيترجم لديهم كصك اعتراف دولي بنفوذ محورهم. والأيام والأحداث القادمة ستثبت مدى قدرة المجتمع الدولي على لجم هذا النفوذ، أو ما إذا كانت التفاهمات القادمة ستسير في مسار شرعنة وتأطير ميليشيات الحوثيين كلاعب رئيسي لحماية مصالح طهران في جنوب شبه الجزيرة العربية وممراتها المائية.