مذكرة التفاهم: مكاسب إيرانية مقابل وعود مؤجلة
مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، هي وثيقة رسمية تعبر عن اتفاق مبدئي، وتحدد إطاراً عاماً للتفاهم والتعاون المشترك وهي "غير ملزمة قانوناً".
لذا من المنطقي أن تتم صياغة الوثيقة بطريقة تسمح للطرفين بتسويقها داخلياً كانتصار على الطرف الآخر، خاصة أن الوضع السياسي صعب على كلا الحكومتين. لكن في الحقيقة فإن بنود المذكرة منحت طهران أكثر بكثير مما كانت تحلم به قبل الحرب.
وتبعاً للنص الرسمي المنشور، فقد منحت لإيران الحق في إدارة مضيق هرمز، وإنهاء الحرب وعدم التدخل في شأنها الداخلي، تصدير النفط، ورفع الحصار-تم فعليا- والعقوبات، واستعادة أموالها المجمدة في الخارج، وإنشاء صندوق لإعادة الإعمار بـ 300 مليار دولار، واستبعاد ملفي دعم الفصائل والصواريخ الباليستية، كل ذلك مقابل الالتزام بتجميد برنامجها النووي وليس التفكيك، بالإضافة إلى إتلاف مخزونها من اليورانيوم المخصب.
والسؤال: لماذا قد تقبل واشنطن بتقديم تنازلات واسعة (اقتصادية وجيوسياسية) في مقابل حسم الملف الأكثر خطورة بالنسبة لها وللمنطقة، وهو السلاح النووي؟
من خلال هذا المنظور، تصبح الفوائد الممنوحة لإيران هي "الثمن الفعلي" الذي تفرضه واشنطن لإغراء طهران بالتخلي النهائي عن طموحها العسكري النووي. بالنسبة لترامب، فإن معادلة النجاح لا تقاس بالتدخل في التفاصيل الإقليمية، بل بإزالة التهديد الوجودي الأكبر، وهو ما يتيح له إعلان انتصار دبلوماسي تاريخي لم تحققه الإدارات السابقة.
رغم أن الشرط محوري وحاسم (عدم امتلاك سلاح نووي)، إلا أن حصر الاتفاق في هذا البند يثير مخاوف بنيوية لدى الحلفاء الإقليميين، وتحديداً إسرائيل. الاعتراض الأساسي هنا ليس على مبدأ منع القنبلة، بل على أن ترك البنية التحتية النووية قائمة عبر "التجميد" بدلاً من "التفكيك الكامل" يمنح إيران القدرة على استئناف برنامجها النووي العسكري بسرعة بمجرد انتهاء صلاحية الاتفاق أو تغير الظروف السياسية.
الربط الشرطي بالملف النووي وحده يعني ضمناً "الفصل" بين طموح إيران النووي وسلوكها الإقليمي وصواريخها الباليستية. هذه المقاربة هي ذاتها أحد أكبر عيوب اتفاق عام 2015؛ حيث يرى المنتقدون أن تحرير أموال إيران وتنشيط اقتصادها دون قيود على نفوذها الإقليمي سيتحول تلقائياً إلى قوة تمويلية إضافية لحلفائها في المنطقة، مما يعني أن "تأمين" الملف النووي قد يأتي على حساب "استقرار" الجبهات التقليدية المحيطة بإسرائيل والدول العربية. هذا الشرط يضع الاتفاق في خانة "التأجيل الذكي" وليس "الحل الجذري".
واحدة من أهم الثغرات هي تحويل الآليات والرقابة الصارمة إلى ملف مؤجل يُحسم في مفاوضات مدتها 60 يوماً قابلة للتمديد، ما يعني ببساطة أننا لسنا أمام اتفاق نهائي شامل، بل أمام "اتفاق إطار" أو "هدنة مؤقتة مفتوحة".
فالقابلية للتمديد تخدم الطرفين تكتيكياً في الوقت الحالي بدرجة كبيرة. ترامب يحصل فوراً على العناوين العريضة والانتصار السياسي الذي يريده لتسويقه كصانع سلام، وإيران تحصل على التقاط الأنفاس الفوري، وتجميد التصعيد العسكري، وبدء تدفق الفوائد، بينما يتم ترحيل القضايا الشائكة والمعقدة (مثل بروتوكولات التفتيش الفجائي، وأجهزة الطرد المركزي، ونسب التخصيب المسموحة) إلى كواليس اللجان الفنية التي قد تستنزف أشهراً وسنوات في الجدال الدبلوماسي.
في الأعراف الدبلوماسية، عندما تُمنح التنازلات الكبرى (مثل رفع العقوبات، وإعادة الأموال، وإدارة ممرات الملاحة) "مقدماً" أو بمجرد توقيع النوايا، تفقد القوة المانحة أهم أوراق الضغط التي تمتلكها لإجبار الطرف الآخر على الانصياع في المفاوضات اللاحقة. إيران بعد أن ضمنت المكاسب الاقتصادية والجيوسياسية الأساسية، لن تكون تحت ضغط حقيقي لتقديم تنازلات جوهرية في ملف الرقابة والآليات خلال الـ 60 يوماً، مما يجعل التمديد خياراً حتمياً ولأجل غير مسمى.
ما يعني عملياً أن البرنامج النووي الإيراني سيبقى في منطقة رمادية قانونية. فبينما يتم إتلاف المخزون المخصب الحالي كبادرة حسن نية، تظل البنية التحتية والقدرة المعرفية قائمة، دون وجود آلية رقابة صارمة ومباشرة تحكمها فوراً، لأن هذه الآلية لا تزال قيد التفاوض. هذا الفراغ التنظيمي يمنح طهران هامش مناورة هائل للمماطلة كلما اقتربت المهلة من الانتهاء، عبر طلب تمديد تلو الآخر بحجة الحاجة لمزيد من النقاشات الفنية.
المكاسب التي نالتها طهران فعلياً بموجب التوقيع هي مكاسب ملموسة، ومادية، وصعبة التراجع عنها بمجرد بدء تدفقها (كأموال الإعمار وعودة تصدير النفط)، بينما الوعود الإيرانية بالمقابل هي وعود إجرائية، سياسية، وقابلة للتسويف. وطهران تملك تاريخاً طويلاً من الدبلوماسية النفسية القائمة على استهلاك الوقت، وتحويل الوعود الشفهية أو المبدئية إلى منصات للمماطلة، طالما أن شريان الحياة الاقتصادي قد بدأ في التدفق بالفعل.
إن تأجيل التفاصيل الحاسمة، يحوّل كل التزام إلى "أداة مناورة". بالنسبة لإدارة ترامب، الوعد الإيراني بمناقشة الملف النووي كافٍ لإعلان "الوعد بالسلام" أمام الناخب الأميركي. وبالنسبة لإيران، الوعد بالتجميد كافٍ لكسر الحصار الاقتصادي. النتيجة هي أن الطرفين يبيعان "وعوداً للمستقبل" لتغطية عجزهما الحالي عن فرض شروط حاسمة أو إحداث تحول استراتيجي حقيقي على الأرض.
على كل حال، الاتفاق يجب فهمه ليس باعتباره إنجازاً دبلوماسياً تاريخياً، بل باعتباره محاولة من الرئيس ترامب لإعادة صياغة نتيجة غير حاسمة، استناداً إلى رؤيته التي تتمحور حول المصالح المتبادلة، والسعي وراء نتائج يمكن تسويقها على أنها انتصارات بغض النظر عن عواقبها الاستراتيجية… ويبدو هذا الاتفاق امتداداً واضحاً لهذا النهج.