التعددية الفنية في أعمال الفنان البحريني خليل المدهون
المنامة - ينحت الفنان خليل المدهون تجربته الفنية من واقع تشكيليّ، متعدد التصورات والرؤى الجمالية، ويُعدّ مراسه الفنيّ لبنة قوية مدججة بمجموعة من العوالم والمعارف التشكيليّة، التي تقوده نحو الإبداع والتجديد، سواء في المجال الحروفي، أو في العمل الواقعيّ، أو في النّحت ببسط التعبير من منظور مخالف، حيث يسعى إلى تحقيق صيغ جماليّة تطرح أعماله في نطاق التعددية الفنية المبنية على قوة الإنتاج، وعلى حنكة التوظيف، وحبكة الحروفيات والواقعية، وعلى جودة الترميز من حيث تقديم المجال الجماليّ بتناسق في الألوان، ومزج الخطوط، والأشكال وفق خطى تجديدية، تمتح أحياناً بعض مقوماتها من التركيب الفنيّ المعاصر، سواء في ما يتعلق بالمنحوتات، أو ما يخص اللوحات الخطيّة، أو ما يتعلق بفن البورتريه. فالخطاب الفنيّ لديه يمر بوعي إبداعيّ يلامس التعددية التشكيليّة من خط عربيّ؛ كخط الثلث، الذي يبدع فيه بتشكيلات وتراكيب متنوعة، وتقديمه كذلك منجزات فنيّة من الأعمال الواقعيّة، وفن البورتريه بصياغات شكليّة وجماليّة ذات دلالات قويّة، وتشكيل منحوتات ذات معاني ودلالات.
فأعماله التشكيليّة في مجملها تتسم ببُعد فنيّ، يستند من خلاله المبدع إلى مرجعيات أساسية لبعث الجديد. ولا شك أن هذا يندرج في نطاق دعم الفكرة الفنيّة، واستخدامها المطلق بوعي تام في الأشكال المتنوعة، سواء في الأعمال الواقعيّة أو في الخط العربيّ أو في النّحت، وأيضاً في سيطرته على تنظيم المادة الخام، وتطويعها وفق ما يتلاءم والعمل الفنيّ الذي يشكله، إنها مغازلته الخاصة للفضاء الإبداعيّ بتنوع تشكيليّ قبل عملية النسيج والوضع، وتجسيد متقن للتقنيات المتنوعة، وبسط مفردات الثقافة الموسوعية في إطارها التشكيليّ، وفي نطاق مرجعيتها التعددية. إنها سمات تلوح في التجربة التشكيليّة المعاصرة للفنان خليل المدهون، إذ يأخذ بعين الاعتبار التموضعات الشكليّة الجديدة، التي يعتمدها بإتقان، ما يجعل حضوره قويّاً ضمن تموقعات الفن العالميّ، الذي يروم الجديد بإيقاعات تنسجم مع متطلبات النفس والروح، ومع متطلبات التقنيات الجديدة، ومع خاصيات التعبير.
وتبدو تلك السمات نهجاً أساسيّاً يتجلى عن قرب في أعماله الفنيّة، التي تُمكّن الناقد من أن يستشف الجماليات المختلفة للفن الحروفيّ، بدءا من الحروف في صيغها الجماليّة، وفي فن البورتريه بدءاً من الاستعمالات اللونية، التي تنبض بالحركة، ويحكمها التدرج والتداخل المطلق مع مجال الشكل التعبيريّ، من خلال الملامح والأشكال المتنوعة، وتُعززها مختلف الترانيم التي تبعث صداها من خلال الحركات التي تستحوذ على الفضاء داخل النسق الفنيّ التعبيريّ البديع، الذي يتبدى جليّاً من خلال مجموعة من التفاعلات الموسيقيّة البصريّة، التي تُشعر القارئ بقدسية العمل وبفنياته المتعددة.
إنها الأساليب القويمة التي ترصد أحياناً الحروف في سكون وحركة، وحينا آخر ترصد فن البورتريه في أبهى تعبيراته ودلالاته ومعانيه، وترصد المنحوتات في أبهتها الجماليّة. إنها تشكيلات متنوعة ومتعددة الأجناس الفنية، تُؤكد قوة المسالك التعبيريّة لدى المبدع، وتبرز أهم مناحي الجمال داخل الفضاء التشكيليّ المتناغم، وتُبيّن الطرق المطاوعة للإبداع المتعدد على مستوى الأسلوب الفني، وعلى مستوى استخدام المفردات التشكيليّة في اللغة الخطيّة، وفي فن البورتريه والنّحت، بما يتلاءم مع المكتسبات الفنيّة في العمل التشكيليّ برمته، فالنماذج الفراغية، والأشكال الحروفيّة، والعناصر التشكيليّة كلها تتفاعل مع عالمه الداخلي، الذي يروم الإبداع والتنميق البديع بطقوسه الاجتماعيّة والثقافيّة والفنيّة والتراثيّة المتداخلة مع عوالم التجديد. وهو في الواقع عالم يروم الإشارة إلى قيم جماليّة نابعة من داخل الفنان، يسعى من ورائها إلى إحداث الانسجام المتنوع، الذي يعكسه ذاك التنوع في المادة الفنيّة في كل تفاصيلها وحيثياتها. ويعكسه أيضا التجسيد المتقن لمختلف الأشكال. ففي الخط العربيّ، يهدف إلى تشكيل نسق خطيّ بصري، وفق منهج مغاير، ومسلك إبداعي متفرد. وفي التشكيل يخترق التجديد بكل عناصره الفنيّة والجماليّة والتعبيريّة، وفي النحت يصوغ مختلف الأشكال في إمكانات تقنية هائلة، يوظفها لبلوغ ذلك المرام. وما تثبيت الأشكال والألوان بصيغ جماليّة مختلفة، والتعبير بأسلوب منمق جديد؛ إلا تأكيد راسخ لهذا التوجه، وهو يدخل ضمن الثقافة التشكيليّة العالميّة، ويتفاعل معها بلغته التعبيريّة المتنوعة بتنوع مواهبه؛ بتدبير محكم وواع، وبنسيج فني زاخر، وبمنجزات فنيّة محنكة وحكيمة، ولذلك فتجربته غاية في التجديد الباعث للقيم الجماليّة المعاصرة.