تحف ومعارض فنية كلاسيكية برؤية معاصرة في 'فوتو طنجة'

الأديب الطاهر بن جلون والفنان ابراهيم العلوي والمنتج جمال السويسي يعيدون المدينة إلى يريقها الإبداعي بتأسيس مهرجان فوتوغرافي بمعايير دولية عالية المستوى.

احتضنت مدينة طنجة الساحرة في لحظة تاريخية مميزة حدثاً ثقافياً لم تشهده من قبل. مهرجان فوتو طنجة الدولي في دورته الافتتاحية (17 يونيو/حزيران – 31 أوت/أغسطس 2026) أعلن عن ولادة منصة عالمية جديدة لفن التصوير الفوتوغرافي. تحت الشعار الشاعري نداء الأفق، اجتمع الفنانون والمثقفون والعشاق من حول العالم في احتفال بصري وفكري ذو مستوى عالي. 

وتجسد هذا المهرجان كتتويج لرؤية نبيلة قادها الكاتب والمفكر الدولي الطاهر بن جلون، بدعم من المدير الفني الموهوب براهيم علوي، وإشراف فني متميز من المخرج والمنتج جمال السويسي. إذ أعاد هؤلاء الفنانون حياة طنجة كعاصمة بصرية عالمية، مستعيدين إرثها العريق وفاتحين آفاقاً جديدة للفن المعاصر.

وجاء اختيار طنجة لاستضافة هذا الحدث الفني الرفيع مبنياً على تاريخ عميق. احتضنت هذه المدينة العتيقة دائماً في جنباتها روح الإبداع والانفتاح. توافد عليها منذ القرن التاسع عشر الفنانون والمصورون من أوروبا والعالم العربي، يبحثون عن الضوء الذهبي الذي يميز ساحلها الشمالي الأفريقي الفريد. كانت ملتقى للثقافات، مختبراً للأفكار الجريئة، وملهمة للفنانين الذين يسعون إلى اختراق حدود الرؤية التقليدية.

واجتمع في مهرجان ''فوتو طنجة'' نخبة مختارة من الفنانين المغاربة والدوليين الذين أثّروا في مسار الفن البصري المعاصر.  إذ برزت المصورة ليلى علوي كأحد الأصوات الباقية، حينما  تم عرض أعمالها ضمن معرض نداء الأفق  بغاليري محمد الدريسي، مستكشفة مواضيع الهوية والرحيل والانفتاح على العالم.  وشارك إلى جانبها  يورياس في عدة فضاءات، معارضاً أعماله ضمن  نداء الأفق بالتعاون مع محمد الباز ويوسف نبيل، كما قدّم معرضاً ضخم الحجم في الهواء الطلق بمارينا طنجة بشراكة مع الفنان السوري خليل النعماوي صاحب سلسلة  في انتظار ماجلان  الشاعرية التي أعادت قراءة تاريخ الملاحة والأفق البحري بطريقة تأملية و. زادت هذه المشاركات المتنوعة من عمق البرمجة الفنية، إذ جمعت بين الأسماء المحلية والدولية في حوار بصري ثري.

وامتد التنوع الفني على مساحات واسعة من فضاءات المهرجان، إذ احتضنت غاليري محمد الدريسي وحدها ثلاث معارض رئيسية جمعت بين الفنانين المغاربة مثل داود أولاد السياد وهشام بنعود، بينما استضاف معرض  المستقبل بين الشواطئ  بغاليري كينت أربع فنانات عربيات بارزات هن أمينة بنبوشتة، مريم بودربالة، زوليخة بو عبد الله، وفادية أحمد، يركزن على النساء والحدود الثقافية. أحيت معارض أخرى الذاكرة البصرية للمدينة، خاصة  طنجة... لماذا طنجة؟ الذي احتفل بـ150 عاماً من التاريخ الفوتوغرافي عبر أعمال سيسيل بيتون وهاري غروايرت وإيزابيل مونيوز وغيرهم.  وقدّم رشيد الوتاسي معرضاً شخصياً بعنوان  المراقب  بغاليري دار دارت، يوثّق صور طنجة على مدى أكثر من عشرين عاماً كشاهد بصري على تحولات المدينة.  وساهمت كل هذه المشاركات المتنوعة، التي شملت أيضاً فنانين مثل مونير فاطمي وجليل غسطالي وهشام غرداف، في تحويل طنجة إلى معرض مفتوح يجمع بين التوثيقي والتجريبي والشعري، عاكساً تنوع البرمجة الذي يمزج بين التراث التاريخي والإبداع المعاصر .

وعادت طنجة بتنظيم هذا المهرجان إلى دورها الطبيعي كحاضنة للإبداع. قال الطاهر بن جلون بحكمة: "  ينصف المدينة وحكاياتها، ويعيد طنجة إلى انفتاحها التقليدي على الأفق الرحب". وتجلت في هذه العبارة البليغة المعنى العميق للمهرجان: إنه دعوة حقيقية نحو مستقبل ثقافي مزدهر.

وتجاوز المهرجان الإطار التقليدي للمعارض المركزية.  إذ انتشرت فعالياته على أكثر من خمسة عشر فضاءً ثقافياً وحضرياً مميزاً، عوض حصر الفن في متحف واحد. وضمّت الأماكن المستضيفة رواق محمد الدريسي، متحف القصبة الشهير، فيلا هاريس الأثيرة، المكتبة الأمريكية العريقة، ميناء طنجة الساحر، وقاعات السينما التاريخية – وتحول كل هذه الأماكن إلى معرض عالمي مفتوح بمستوى دولي.

وضمن هذا التوزيع الذكي للفعاليات الفن يصل إلى الجميع – لا تمييز بين من يدخلون المتاحف الراقية ومن يتنزهون في الأسواق والميادين. أصبحت الصورة جزءاً من نسيج الحياة اليومية في طنجة، تحاور الجمهور في أماكن تألفها قلوبهم.

وقدم المهرجان معارض فوتوغرافية استثنائية جمعت أصواتاً فنية متعددة من ضفتي البحر الأبيض المتوسط وما وراءها. وعرض المصورون المغاربة الموهوبون ليلى علوي، داود أولاد السيد، وآخرين من أوروبا وشمال أفريقيا. وحضرت إسبانيا، ضيفة الشرف في هذه الدورة، بمساهمة مميزة تبرز الروابط التاريخية العميقة بين دول البحر المتوسط.

وعرّف المدير الفني براهيم علوي الرؤية قائلاً: "فوتو طنجة يريد ديمقراطية الوصول إلى التصوير الفوتوغرافي، وجعل الصورة لغة عالمية قادرة على استجواب العالم وإثارة الحوار وخلق روابط إنسانية حقيقية". إذ لمعت هذه الرؤية الإنسانية من كل زاوية في المهرجان.

ونظم المهرجان برنامج غني من الندوات الفكرية جمع النقاد والفنانين والمثقفين للحوار حول أسئلة ملحة: دور التصوير الفوتوغرافي في عصر الذكاء الاصطناعي، كيفية إزالة الاستعمار من الصورة، الهوية والتمثيل البصري، القضايا الاجتماعية والإنسانية. رفعت هذه النقاشات المهرجان إلى مستوى فكري عميق، حيث التقت الفن والفلسفة.

وأضاف المخرج والمنتج جمال السويسي بعداً سينمائياً فريداً للمهرجان. إذ طوّر برنامجاً سينمائياً متميزاً يستكشف الروابط الجمالية والزمنية بين الفوتوغرافيا والسينما، عارضاً أفلاماً كلاسيكية وحديثة تشاركها الاهتمام بالصورة كوسيط فني مؤثر. وعرض الفيلم مرجانة وغيره وفتح حوارات حول الهوية والثقافة والقضايا الاجتماعية.

وشكّل برنامج تربوي شامل موجه للشباب والطلاب من أجمل جوانب المهرجان. علّمت ورشات عملية الشباب أسس التصوير الفوتوغرافي وفن السرد البصري، بالشراكة الوثيقة مع وزارة الثقافة المغربية. وحمل هذا الهدف وضوحاً وسموقاً: وإطلاق عدد من المصورين الشباب الموهوبين من المغرب والعالم العربي.

وقدّمت مسابقة دولية للمصورين الشباب (18-35 سنة) جوائز مادية سخية وفرصة ذهبية للعرض الدولي في قصر الفنون والثقافة. مثل هذا الاستثمار في الأجيال الجديدة بذرة حقيقية للتغيير الثقافي، وضمان لاستمرارية الإبداع البصري.

وتجسدت قيمة المهرجان الحقيقية في التزامه بجعل الفن البصري متاحاً للجميع،إذ آمن المنظمون بأن الفوتوغرافيا عوض حصرها في أيدي النخب يجب أن تكون متاحة، إذ الصورة لغة عالمية تنطق إلى روح كل إنسان. واجه المار في شارع طنجة معرضاً في الهواء الطلق يفاجئه بجماله، وقد يجد الطفل الخارج من مدرسته حضوراً فنياً يلهمه. وبرّرت جولات موجهة مجانية، وبرامج تعليمية للمدارس، وندوات حوارية بلا حواجز اقتصادية، وهذا الالتزام بنسج شبكة حقيقية من الوصول الديمقراطي.

وتميز هذا المهرجان عن غيره بامتداده الزمني الجاد. يمتد من 17 يونيو/حزيران إلى 31 أوت/أغسطس – أكثر من شهرين من النشاط الثقافي المستمر. وسمح هذا الامتداد للمدينة بأن تتنفس الفن، وللزائرين بأن يعودوا مراراً، وللتأثير بأن يعمق جذوره في النسيج الاجتماعي.

وحمل هذا المهرجان أيضاً آمالاً كبيرة اقتصادية وثقافية. وجذب السياح من بعيد، واستفادت الفنادق والمطاعم، وفتحت أمام المصورين الشباب آفاق جديدة، واستعادت طنجة حضورها في أذهان العالم كمدينة فن وإبداع. مثل هذا المهرجان هو استثماراً حقيقياً في مستقبل المدينة والمنطقة.

وشكّل وجود مهرجان دولي متخصص في الفوتوغرافيا في المغرب إنجازاً تاريخياً ملموساً. افتقرت المنطقة العربية والمغاربية منذ زمن إلى منصة عالمية من هذا الحجم والطموح. بينما ملأ فوتو طنجة هذا الفراغ بكل فخر وعزيمة. قال المهرجان للعالم بصراحة: هنا، على ساحل البحر المتوسط، يولد صوت بصري جديد، وللمصورين المغاربة والعرب ما يقولونه، ورؤى فريدة تستحق أن يستمع إليها العالم.

ونظم المهرجان ندوات عن إزالة الاستعمار من الصورة والتعامل مع الذكاء الاصطناعي والحقوق البصرية، لضع المنطقة في قلب الحوار المعاصر حول الفن والتكنولوجيا والهوية. كما رفع هذا مكانة الفوتوغرافيا من حرفة إلى فن سياسي واجتماعي عميق.

معايير نجاح واضحة

وحقق المهرجان أهدافه الرئيسية بنجاح مشهود. وأعاد اكتشاف طنجة كحاضنة ثقافية، وجمع فنانين ومثقفين من ضفاف متعددة، وشجع الشباب على الإبداع البصري، وفتح نقاشاً جدياً حول دور الفوتوغرافيا في عالمنا المعاصر. وزار المهرجان آلاف من الجمهور المحلي والسياحي، وحضره فنانون معروفون دولياً، وغطته وسائل إعلام واسعة – كل هذا يشهد على نجاح استثنائي لدورة افتتاحية في مهرجان جديد.

وتجاوز مهرجان فوتو طنجة في دورته الافتتاحية كونه حدثاً ثقافياً بسيطاً  فقد كان صرخة حب للفن البصري، ودعوة صريحة للعالم كي ينظر إلى الواقع الإنساني الذي خلفها. بينما استعادت طنجة تحت قيادة الطاهر بن جلون وبراهيم علوي وجمال السويسي دورها التاريخي كمدينة للفنانين والحالمين والمبدعين.

وشعر الزائر في كل زاوية من زوايا هذا المهرجان، في كل صورة معروضة، في كل ندوة فكرية، في كل ورشة تربوية، بنبض حقيقي للإبداع والحياة الثقافية. كان الشعار نداء الأفق كان التزاماً فعلياً بفتح الأفق أمام أجيال جديدة من الفنانين، وبفتح الحوار بين الثقافات، وبتذكيرنا أن الفن البصري قوة حقيقية لفهم العالم وتغييره.