'أسود الأطلس' في المونديال بين ريادة الأرقام وعقيدة القتال
برلين - لم يكن العبور الباهر الذي حققه المنتخب المغربي لكرة القدم إلى الدور الـ32 من كأس العالم 2026 مجرد طفرة عابرة أو وليد صدفة حركتها العواطف والمصادفات، بل جاء تجسيداً حياً لثقافة التخطيط الاستراتيجي المستدام ومراكمة العمل القاعدي الرصين على مدار سنوات طويلة من البناء الهادئ والاستثمار الذكي في العنصر البشري والبنية التحتية. والتأهل التاريخي الذي جاء عقب الانتصار العريض على منتخب هايتي بأربعة أهداف مقابل هدفين، يمثل فصلاً جديداً من فصول التوهج الرياضي للمملكة المغربية، وهو امتداد طبيعي للرؤية الوطنية الشاملة التي جعلت من الرياضة واجهة للتنمية والتميز الدولي.
ويعكس هذا النجاح في جوهره كيف يمكن للرؤية الثاقبة المقترنة بالجهد المتواصل أن تحول الطموحات إلى أرقام قياسية غير مسبوقة على الصعيدين العربي والقاري، مما يضع كرة القدم المغربية في ريادة المشهد الكروي الإقليمي بكل جدارة واستحقاق.
وعند إخضاع أداء 'أسود الأطلس' في هذه النسخة المونديالية للقراءة والتحليل ومقارنته ببقية المنتخبات العربية المشاركة، يتضح بجلاء الفارق الشاسع في الجاهزية الذهنية والفنية، فبينما تعثرت منتخبات عربية تقليدية مثل المنتخب التونسي الذي تذيل مجموعته دون رصيد من النقاط قبل الجولة الأخيرة وبات يعاني من فجوة واضحة في الإعداد الفني والاستقرار الإداري، يظهر المنتخب المغربي كمنظومة متكاملة ومستقرة تمتلك هوية هجومية واضحة وشخصية قوية قادرة على فرض إيقاعها في المحافل الدولية الكبرى.
وهذا التباين الصارخ يؤكد أن الفارق بين التجربة المغربية وبقية التجارب العربية يكمن في استمرارية المشروع؛ فالمغرب لم يعد يشارك من أجل الحضور المشرف، بل أصبح يدخل المنافسات بعقلية البطل الذي يمتلك الأدوات التكتيكية والبدنية لمقارعة الكبار، وهو ما عجزت عنه بقية المنتخبات العربية التي افتقرت إلى هذا النفس الطويل وإلى القدرة على إدارة المباريات الحاسمة بنفس الكفاءة.
ولغة الأرقام والإحصائيات التي واكبت مباراة هايتي الأخيرة تقدم دليلاً دامغاً على الطفرة الفنية الهائلة التي تشهدها الكرة المغربية، حيث تحول المنتخب من الأسلوب الدفاعي الحذر إلى الهيمنة المطلقة والمبادرة الهجومية الفعالة، وهو ما تجسد في نسبة استحواذ قياسية بلغت تسعة وستين في المئة، وهي النسبة الأعلى في تاريخ مشاركات المغرب المونديالية، مما يعكس رغبة واضحة في التحكم بمقاليد اللعب وصناعة الفرص بشكل مستمر ومدروس.
ولم تتوقف هذه الطفرة عند حدود الاستحواذ السلبي، بل تُرجمت إلى نجاعة هجومية غير مسبوقة بتسجيل أربعة أهداف في لقاء واحد، وهو رقم قياسي لم يسبق للمغرب تحقيقه منذ أول ظهور له في المونديال عام 1970، ليرفع بذلك رصيده التاريخي في كؤوس العالم إلى ستة وعشرين هدفاً، متربعاً على عرش القارة الإفريقية كأكثر المنتخبات تسجيلاً في التاريخ متجاوزاً قوى تقليدية مثل نيجيريا وغانا والكاميرون، فضلاً عن كونه أصبح الأكثر تحقيقاً للانتصارات برصيد سبعة انتصارات مونديالية.
وعلى الصعيد الفردي والجماعي، أثمرت هذه البيئة الاحترافية ولادة نجوم استثنائيين قادرين على تحطيم الأرقام القياسية وكتابة أسمائهم بمداد من ذهب في السجلات العالمية؛ إذ برز النجم إسماعيل صيباري كإحدى العلامات المضيئة في هذه البطولة بعدما سجل ثلاثة أهداف في نسخة واحدة، ليعادل الرقم التاريخي لهداف المغرب يوسف النصيري، ويصبح رابع لاعب في تاريخ القارة الافريقية يحقق هذا الإنجاز بعد أساطير مثل روجي ميلا وأسمواه جيان وبوباديوب، بل وتميز عنهم جميعاً بكونه اللاعب الإفريقي الوحيد الذي نجح في هز الشباك خلال جميع مباريات دور المجموعات في نسخة واحدة.
وفي ذات السياق، واصل القائد أشرف حكيمي تثبيت مكانته الأسطورية بدخوله سجلات التاريخ كأول لاعب مغربي يسجل في جميع البطولات الكبرى التي خاضها برفقة المنتخب، جامعاً بين المجد في كأس أمم إفريقيا، والألعاب الأولمبية، وكأس العالم، ومشكلاً رفقة سفيان رحيمي ثنائية متناغمة تجمع بين صناعة الأهداف وتسجيلها في مباراة واحدة، وهو تميز يذكرنا بأمجاد جيل 1998.
ويعود هذا التميز الهائل الذي يقدمه المغرب اليوم بالدرجة الأولى إلى منظومة متكاملة تم التأسيس لها برؤية ملكية واثقة ورصينة اهتمت بإنشاء الأكاديميات الحديثة، وتطوير الملاعب، وجلب الكفاءات الفنية العالية، بالإضافة إلى ربط المحترفين في أوروبا بجذورهم الوطنية بشكل وثيق ومنظم، مما أنتج توليفة بشرية تجمع بين الانضباط التكتيكي الأوروبي والروح و'الغرينتا' المغربية الأصيلة، وهي المعادلة التي تفتقدها الكثير من المدارس الكروية العربية الإقليمية في الوقت الراهن.
ومع ترقب الأسود لمنافسهم المقبل في دور الـ32، والذي سيتحدد بناءً على الصراع المحتدم في المجموعة السادسة بين منتخبات كبرى مثل هولندا واليابان والسويد، يبدو واضحاً أن المنتخب المغربي لم يعد يخشى مواجهة أي منافس مهما كان اسمه، لأن الفريق بات يمتلك النضج التكتيكي والعمق البشري والصلابة الذهنية التي تؤهله للذهاب بعيداً في هذه البطولة وتكرار إنجازات الماضي بل وتجاوزها، ليثبت للعالم أجمع أن النجاح المستدام هو الثمرة الطبيعية للاستراتيجيات الطموحة والعمل الدؤوب.
ومع كل هذا الزخم والأرقام القياسية المحققة، يبقى الجوهر الحقيقي لمشاركة 'أسود الأطلس' كامناً في تلك الروح القتالية العالية والبسالة اللامتناهية التي يظهرها اللاعبون على أرضية الميدان، فحتى لو حالت الظروف وتفاصيل الساحرة المستديرة دون وصول المنتخب المغربي إلى الأدوار النهائية، فإن التضحية الكبيرة و'الغرينتا' الاستثنائية التي طبعت أداءهم تظل شهادة فخر واعتزاز تكفيهم وتُعفيهم من أي لوم أو عتاب.
ما يظهر من خلال أداء 'أسود الأطلس' عقيدة كروية تجعل من كل لاعب محارباً يقاتل بلا هوادة من أجل إعلاء الراية الوطنية والدفاع عن قميص بلاده. لقد برهن هذا الجيل أنه لا يدخر قطرة عرق واحدة ولا يألو جهداً في سبيل إسعاد جماهيره، مؤكداً أن الاستماتة في العطاء والشغف الصادق هما المكسب الأكبر الذي يرسخ مكانة المغرب في قلوب وعقول محبي كرة القدم قبل صفحات التاريخ.