'الحياة جميلة'.. كيف يغسل الخيال عار العالم؟
في عام 1997، صدمنا روبرتو بينيني بفيلمه الأيقوني "الحياة جميلة" (La vita è bella). تلك "الوقاحة الشاعرية" التي تجرأت على انتزاع الضحكة من داخل مسالخ الفاشية والنازية، تجاوزت الفعل الفنّي لتكون بيانا فلسفيا صارخا يُعلن أن السلاح الأخير للإنسان الأعزل أمام آلات السحق البيولوجي ليس بالضرورة البندقية، بل الخيال.
الأطروحة السينمائية التي نالت تكريمات كثيرة حال ملاقاتها المشاهد في ذلك الوقت، تكتسب اليوم أيضا شرعيتها الدموية الكاملة عند إسقاطها على واقعنا المعاصر. وفي قراءة متأنية ومشرَّحة للكاتب والإعلامي الأردني مالك عثامنة على منصة ''نون''، تحوّل الفيلم إلى مرآة كاشفة لعالم اليوم، عالمنا المحكوم بـ "معسكر قلق جماعي" تُدمر فيه الأرواح بالعبثية قبل أن تحرقها القذائف والأمراض والكوارث الطبيعية. هذا الرابط الفلسفي تجسّد فعلا بمرارة سريالية في 2023، عندما اهتزت الشاشات لمقطع فيديو من غزة لأب يحضن طفلته التي لم تتجاوز الثلاث سنوات، وفي الخلفية صوت قصف زلزل الأرض، ليقول لها بابتسامة قسرية وردّا على همسها ''هذا قصف''، "لا يا بابا هذه ألعاب نارية.. لسنا في خطر.. إنهم أطفال يحتفلون!".
لماذا نتحمّل الألم ونموت أمام العبث؟
ينطلق تحليل مالك عثامنة من تفكيك سيكولوجية الكائن البشري في مواجهة الكوارث. الجسد البشري، بمرونته البيولوجية العجيبة، يمتلك قدرة هائلة على إنهاك الألم الفيزيائي وتحمّل التنكيل، ما دام هذا الألم يقع ضمن سياق مفهوم أو يحمل غاية واضحة. لكن الضربة القاضية للمجتمعات والأفراد لا تأتي من الوجع، بل من العبثية.
العبث هو أن تفقد الأشياء منطقها الإنساني، أن يصبح الموت مجانيا، والظلم منهجيا، والعالم صامتا بلا مبالاة وقحة. حينها يحدث الانهيار الروحي. في فيلم بينيني، أدرك الأب "غيدو" أن معسكر الاعتقال لم يُصمّم لقتل جسد ابنه "جوزويه" فحسب، بل لتجريده من إنسانيته وسحقه بالعبث. لذا، خاض غيدو -الذي كان زوجا محبّا وطفوليا في حبه للحياة- معركته على "جبهة المعنى"، فاستبدل سادية النازية بـ "لعبة كبرى" معقدة، والقواعد العسكرية الصارمة لجمع النقاط من أجل الفوز بـ "دبابة حقيقية". لقد فرض منطقا فانتازيا على واقع لا منطق له، ليحمي الحصن الأخير: خيال الطفل وقدرته على الفرح.
استنساخ الكذبة المقدسة
عندما نقارن كذبة غيدو السينمائية بكذبة الأب الغزي في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، نحن لا نتحدث عن تشابه درامي بل عن استنساخ غريزي لآلية الدفاع الإنسانية الأسمى.
السينما، برغم وقاحتها وجراءتها في الطرح، بدت قاصرة أمام الواقع. "غيدو" كان يقاتل في معسكر اعتقال مغلق، يخفي طفله في عنبر خشبي ويترجم له صراخ الحراس الألمان إلى شروط مسابقة. أما "أب غزة"، فقد كان يواجه بثًا حيا للموت، وسماء تمطر أطنانا من المتفجرات، وتكنولوجيا إبادة حديثة تمحو أحياء كاملة بضغطة زر. ومع ذلك، لم يجد هذا الأب سلاحا يحمي به طفلته سوى ذات الأكذوبة المقدسة: تحويل صوت القصف المرعب إلى ألعاب نارية.
هذه اللحظة كشفت عن عجز العالم الحديث -العالم المُتبجّح بكونه أقل قسوة من سابقيه- عن حماية طفلة بريئة لا ذنب لها في كل ما يحصل، ويترك الأب المحاصر وحيدا، بلا مضادات طائرات وبلا ملاجئ، ليسخّر كل ما يملك -حباله الصوتية وتعبيرات وجهه- لـ''يُفلتر'' الفظاعة ويزيّف الواقع حفاظا على السلامة الروحية لطفلته. إنه يدرك سليقة، كما أوضح عثامنة، أن الطفل الذي يفقد خياله وبراءته ويدرك بأن العالم وحش بلا رحمة، هو طفل مات روحيا، حتى لو نجا جسده من الشظايا.
الفعل السياسي للخيال
يربط مالك عثامنة بين مناخ الفيلم وواقع الإنسان المعاصر، ليوضّح أن العالم اليوم تحوّل إلى "معسكر قلق جماعي" محكوم بالخوف الممنهج والأزمات المتلاحقة التي تشل القدرة على الفعل. في هذا السياق، يصبح حظر الحقيقة، أو ممارسة "الكذب النبيل"، أقصى درجات الفضيلة الأخلاقية والسياسية.
بالمفهوم التقليدي البارد، الكذب رذيلة. لكن في معسكرات النازية كما في قطاع غزة، يتحوّل الكذب إلى أعلى أشكال المقاومة الشرسة. إنه رفض صريح للانصياع لأيديولوجيا القاتل. عندما يحوّل الأب الجحيم إلى لعبة أو احتفال، فهو كمن يقول للجلاد وقوات الاحتلال: "بإمكانكم قصف بيتي وسحق جسدي، لكنكم لن تملكوا الحق في كتابة الرواية داخل عقل طفلي، لن تجعلوه يستسلم لعدميتكم".
هو فعل إعادة بناء مجتمعي من خلال الروح، يضمن ألا تسقط الغرائز الإنسانية النبيلة تحت أقدام البربرية المتوحّشة.
وثيقة الفرح والمأساة
لفهم تقاطع هذا العمل مع جروح الواقع، لا بد من تفكيك بنيته السينمائية التي هزّت وجدان العالم، فالفيلم يتجاوز كونه دراما سوداء استثنائية، هو مشروع شديد الخصوصية والعائلية قاده روبرتو بينيني كمخرج ومؤلف وبطل جسّد دور الأب "غيدو أوريفيتشي". وبذكاء سردي مباغت، قسّم بينيني فيلمه إلى شقين متناقضين تماما:
القسم الأول: فانتازيا الرومانسية: يأخذنا العمل إلى ثلاثينيات القرن الماضي داخل إيطاليا الفاشية، حيث نتعرف على "غيدو" الشاب اليهودي المُبهج الذي يفيض ذكاء وحيوية، ويقع في حب معلمة مدرسة مسيحية تُدعى "دورا" (جسدت دورها نيكوليتا براسكي، وهي زوجة بينيني في الحياة الواقعية، مما أضفى كيمياء صادقة واستثنائية على الشاشة). وينتهي هذا القسم بزواجهما وإنجاب طفلهما البريء "جوزويه" (جيورجيو كانتاريني).
القسم الثاني: ''صدام المسلخ البشري'': مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تختفي الألوان الدافئة ويتم اعتقال الأب والابن واقتيادهما إلى معسكر اعتقال نازي. تلحق بهما الأم "دورا" طواعية برغم أنها غير مهددة، لتكتمل المأساة. هنا، وبدلا من الاستسلام للبؤس، يصنع "غيدو" كذبته المقدسة حمايةً لعقل ابنه من التدمير.
هذه التوليفة السينمائية كُلّلت بموسيقى تصويرية عبقرية صاغها الملحن نيكولا بيوفاني، حيث تراقصت أنغامه بين بهجة الحياة المفرطة وشجن الموت المُخيّم، لتصبح واحدة من أشهر السيمفونيات في تاريخ السينما.
العمل السينمائي الذي صُنع بميزانية متواضعة (نحو 12.8 مليون دولار) أحدث زلزالا في شباك التذاكر محققاً 230.1 مليون دولار عالميا، كما اجتاح منصات التتويج حاصدا الجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي (1998)، وثلاث جوائز أوسكار تاريخية عام 1999 (أفضل فيلم بلغة أجنبية، أفضل موسيقى، وأفضل ممثل لروبرتو بينيني الذي دخل التاريخ كأول ممثل في فيلم غير ناطق بالإنجليزية ينال هذه الجائزة، مخلدا الحفل بملحمته الشهيرة عندما قفز فوق مقاعد الحاضرين من شدة الفرح!).
ورغم هذا الاحتفاء واجه الفيلم وقاحته النقدية الخاصة، إذ هاجمه نقّاد ومؤرخون يتزعمهم تيار "الواقعية الصارمة"، متّهمين بينيني بـ "تبييض وجه الهولوكوست" وتبسيط وحشية النازية عبر تحويل المعسكر إلى مسرح للألعاب، معتبرين نجاة الطفل بتلك الطريقة ضربا من الخيال المفرط الذي يعبث بحقائق دموية. لكن هذا النقد بالذات هو ما يمنح الفيلم هويّته الفلسفية الأعمق: هو ''حكاية رمزية'' (Fable) ولم يدّع أبدا أنه فيلم وثائقي.
الانتصار الأخلاقي في زمن الهزيمة الفيزيائية
ينتهي فيلم "الحياة جميلة" بمقتل غيدو، لكنه يموت منتصرا. يخرج إبنه في الصباح التالي متشبثا ببراءته، صارخا ملء حنجرته أمام الدبابة الأميركية: "لقد فزنا!". غيدو بهذه النهاية الملحمية لم ينقذ ابنه من الموت الفيزيائي فحسب، بل نجح في تأجيل الهزيمة داخل روحه. وتلك لعمري أسمى انتصارات أبٍ على وجه البسيطة.
اليوم، يُعيد التاريخ كتابة المشهد بوقاحة أشد ترويعا. الآباء في غزة (أو من بقي منهم على قيد الحياة) الذين يمارسون "كيمياء المعنى" ويحوّلون الموت إلى ألعاب نارية، يثبتون للعالم المعاصر المُتخم بالشعارات الباردة، أن الإنسان قد يُهزم جسديا، قد يُسحق، قد يُباد منزله وحيّه وكل شواهد عن وجوده، لكنه يظل عصيا على الانكسار أخلاقيا وقيميا ما دام قادرا على حماية مغزى الوجود ونقل الأمل إلى الجيل القادم.
هذا الإنسان الذي يعيش في قلب المفارقة المعاصرة: يشهد الإبادة والموت والعبث ببث حي ومباشر على مدار الساعة، يرى الآباء يرسمون ''كيمياء المعنى" من رماد الغارات ليحموا أطفالهم.. بينما يقف هو، بكل تكنولوجياته ورفاهيته المفترضة، عاجزا ومكبلا ومشلول القدرة على الفعل. وهنا تكمن النبوءة الفلسفية التي يطرحها الكاتب مالك عثامنة في تشريحه لأزمة الوعي، إذ إن الهزيمة الحقيقية التي تهدد البشرية اليوم ليست هزيمة عسكرية، بل هي ''الهزيمة التي تُكتب وتُحسم داخل العقل'' عندما يتسلل إليه الاستسلام للعدم.
لذلك، لم تعد "أكذوبة" غيدو في السينما، أو كذبة "الألعاب النارية" لأب في غزة، مجرد وسيلة لحماية طفل محاصر؛ إنها طوق النجاة الأخير لإنسان هذا العصر بأكمله. إنها دعوة قسرية وصادمة ومتمردة لكل من يتابع هذا البؤس، بألّا يستسلم للعبثية المحيطة به، وبأن يقاوم الشلل الروحي بخلق معناه الخاص ومحاربة الانكسار داخل عقله. فإذا كان أولئك الذين يعيشون تحت السحق الجسدي يمتلكون رفاهية الأمل وجرأة الخيال ليقولوا "الحياة ما زالت جميلة"، فإن بؤس الكائن المعاصر وحكمته يقتضيان منه ألا يتخلّى عن الحصن الأخير للإنسانية: القدرة على رفض الهزيمة داخل الوعي، والإصرار على أن المعنى – رغما عن كل هذا العدم البصري – هو الشيء الوحيد الذي يستحق أن نعيش ونقاتل من أجله.
إن كذبة "الألعاب النارية" في غزة، ككذبة "الدبابة" في معسكر النازية، هي الصرخة الأكثر وقاحة وبلاغة في وجه هذا العالم الفوضوي، صرخة تؤكد رغما عن كل هذا الدم والخراب، أن الروح البشرية تظل منيعة، وأن الحياة على بشاعتها اليومية وبؤسها بأشكاله الأشد قسوة وعولمة، تستحق أن تُعاش، بالمعنى ولأجله.