First Published: 2016-05-06

المطلوب عزل بيروت

 

حملة الانتقام من بيروت مستمرة. فلسطينيون ثم سوريون وأخيرا على يد الايرانيين وحزب الله.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

تتعرّض بيروت منذ سنوات عدّة، منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه قبل احد عشر عاما وثلاثة اشهر تقريبا، لحملة مركّزة تستهدف ترييفها والغاء دورها. مناسبة هذا الكلام الانتخابات البلدية في لبنان بعد ايّام قليلة والجهد المبذول لاعادة الاعتبار الى بيروت انطلاقا من مجلسها البلدي الجديد.

ليس سرّا من اغتال رفيق الحريري وليس سرّا ان الحقد عليه هو في الوقت ذاته حقد، ليس بعده حقد، على بيروت وعلى لبنان وعلى كلّ ما له علاقة بالمدينة التي كانت في يوم من الايّام مدينة لكلّ العرب. فمن بيروت انطلق مشروع يستهدف اعادة الحياة الى الوطن الصغير واعادة وضعه على خريطة المنطقة. ومن بيروت بدأ مشروع الانماء والاعمار الذي كان مفترضا ان يتنشر في كلّ لبنان ويعمّ كلّ قرية ومدينة.

من بيروت ايضا، ومنذ اليوم الذي اغتيل فيه رفيق الحريري، في الرابع عشر من شباط ـ فبراير 2005، بدأت عملية مدروسة بدقة من اجل محاصرة المدينة وتغيير طبيعتها وعزلها عن محيطها العربي وعن الدور الذي طالما لعبته كجسر بين المنطقة والعالم. مطلوب ان لا تعود حاجة الى بيروت لا اكثر وان يغادر كلّ من يمتلك كفاءة معيّنة المدينة بحثا عن لقمة العيش خارج لبنان.

ليس صدفة ان تكون حرب صيف العام 2006، وهي حرب مفتعلة من الفها الى يائها انتهت باعتصام في وسط بيروت من اجل شلّ المدينة. كان مطلوبا الانتصار على بيروت وليس على اسرائيل وضرب الحياة الاقتصادية في البلد انطلاقا من وسط العاصمة. لم يدرك معظم المسيحيين للأسف مدى الضرر الذي لحق بهم جراء اغلاق هذا العدد الكبير من المؤسسات في الوسط التجاري.

كذلك، ليس صدفة ان بيروت تعرّضت الى غزوة السابع من ايار ـ مايو 2008 التي استهدفت تأكيد ان العاصمة اللبنانية مدينة ايرانية على البحر المتوسّط لا اكثر.

لا يحدث شيء بالصدفة في بيروت وصولا الى الوضع الذي تعيشه المدينة الآن التي صار مطارها في حال مزرية. لا يشبه المطار سوى مطار في دولة من دول العالم الثالث. لم يعد مطار رفيق الحريري سوى رمز للسقوط اللبناني ولتحول البلد الى تابع للخارج لا اكثر. من يتمعّن في منظر الركاب في مطار العاصمة يكتشف الى ايّ حد تراجعت بيروت في وقت تشهد كل مطارات المنطقة حركة كبيرة وازدهارا يصبّ في مصلحة الحركة الاقتصادية وخلق فرص عمل.

في الواقع، بدأت عملية اغتيال بيروت منذ ما قبل اغتيال رفيق الحريري. بدأت خلال حرب السنتين، في 1975 و1976 عندما باشرت فصائل فلسطينية، محسوبة على النظام السوري في تدمير الفنادق بطريقة منهجية. تولّت "الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة"، وهي منظمة فلسطينية تابعة للاجهزة السورية، هذه المهمّة.

بعد خروج المسلحين الفلسطينيين، الذين عاثوا فسادا في لبنان بحجة تحرير فلسطين، من لبنان في العام 1982، زادت الضغوط الهادفة الى تهجير المسيحيين من بيروت الغربية. كان الهدف الايراني اقامة جزر امنية في الاحياء السنّية ـ المسيحية، من المزرعة، الى المصيطبة، الى كورنيش المزرعة، الى راس بيروت وكليمنصو والقنطاري وزقاق البلاط والبسطة والخندق الغميق وصولا الى عين المريسه. كانت نقطة التحوّل ما حصل يوم السادس من شباط ـ فبراير 1984، عندما أُخرج الجيش اللبناني من بيروت الغربية لتصبح تحت رحمة ميليشيات مذهبية. راحت هذه الميليشيات تتقاتل في ما بينها من اجل التمهيد لعودة الجيش التابع للنظام السوري الى بيروت!

لم تتوقف عملية القضاء على بيروت يوما. دخلت هذه العملية في ايّامنا هذه مرحلة جديدة. لم يعد ما يدعو الى تدمير الفنادق والمطاعم والمؤسسات التجارية التي ازدهرت في اليوم الذي اعاد فيه رفيق الحريري الحياة الى بيروت. عثر الساعون الى تدمير العاصمة على وسيلة ناجعة لتحقيق الهدف نفسه. هذا ما يفسّر الى حدّ كبير ذلك الاصرار على منع العرب من المجيء الى لبنان. فجأة لم يعد العربي، خصوصا الخليجي، مرغوبا به في بيروت.

تولّت حكومة "حزب الله" التي كانت برئاسة نجيب ميقاتي هذه المهمّة ونجحت فيها نجاحا عظيما.

ما العمل الآن في وجه الحملة الجديدة على بيروت؟ لا شكّ ان ليس في الامكان تجاهل ان المشكلة الاكبر التي يعاني منها لبنان، وليس بيروت وحدها، هو سلاح "حزب الله" الذي يستخدم في كلّ ما له علاقة من قريب او بعيد في تدمير المجتمع اللبناني والاقتصاد والمؤسسات التربوية العريقة. هل من يتذكّر ما تعرّضت له الجامعة الاميركية في الماضي وما تتعرّض له الجامعة اللبنانية الآن؟

هناك تدمير لمؤسسات الدولة الواحدة تلو الاخرى، وهناك تدمير للاقتصاد ولقطاع الخدمات وسعي الى النيل من كلّ ما يمكّن اللبناني من البقاء في لبنان. هناك فوق ذلك كلّه اصرار على اخراج لبنان من المجموعة العربية والحاقه بالمحور المذهبي الممتد من طهران الى بيروت مرورا ببغداد ودمشق.

باختصار شديد، ليس في الامكان في الظروف الراهنة الدخول في مواجهة مباشرة مع ميليشيا مذهبية لا يهمّها سوى تهجير اكبر عدد ممكن من اللبنانيين من بلدهم من جهة وتحويل لبنان، كلّه وليس بيروت وحدها، مستعمرة ايرانية من جهة اخرى. لا يعني تفادي مثل هذه المواجهة السكوت عن "حزب الله" وسلاحه والدور الذي يلعبه في الخارج، خصوصا في الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري.

لعلّ افضل ردّ على الهجمة المستمرّة على بيروت هو بإعادة الاعتبار للعاصمة. هذا ما يفعله الرئيس سعد الحريري. يكون ذلك عبر مجلس بلدي جديد يعرف ماذا يعني الرصيف ويعرف ماذا يعني احترام النظام والقانون ويعرف ماذا تعني المحافظة على ما بقي من بيروت. بلغت الاعتداءات على بيروت حدّا لا يطاق... وصولا الى الغاء الرصيف في المدينة. باتت شوارع بيروت مستباحة لا ارصفة فيها، بل سيارات تستطيع الوقوف حيث تشاء.

تبقى بيروت هاجس نوّاب بيروت على رأسهم سعد الحريري الذي يعرف معنى حماية العاصمة وتطويرها في ظلّ المناصفة الاسلامية ـ المسيحية. فليس كثيرا ان تدافع بيروت عن نفسها، بدءا بإعادة الاعتبار الى الرصيف، في مواجهة الفوضى التي تستهدفها. لن يتحقّق ذلك في حال غاب عن البال في ايّ لحظة انّ علّة العلل هي سلاح "حزب الله" الذي لا وظيفة لبنانية له سوى استكمال ما بني على اغتيال رفيق الحريري ورفاقه... وما سبق ذلك من عمليات تطهير ذات طابع طائفي لاحياء معيّنة في العاصمة كي يسود فيها البؤس واليأس ولا شيء آخر غير ذلك. منذ متى يبني البؤس واليأس اوطانا ودولا؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
مرحلة الصواريخ الباليستية والميليشيات
2017-11-22
ابعد من استقالة... انّه مصير لبنان
2017-11-20
لبنان لن يغيّر جلده
2017-11-19
المصالحة الفلسطينية والامتحان القريب
2017-11-17
سعد الحريري... صدمتان وليس صدمة واحدة
2017-11-15
استقالة سعد الحريري لم تكن عشوائية
2017-11-13
قمر مغربي ينطلق من قاعدة ثابتة
2017-11-12
المأزق الكردي... مأزق عراقي ايضا
2017-11-10
ثورة في السعودية
2017-11-08
عندما يرفض لبنان تغطية سياسات ايران
2017-11-06
المزيد

 
>>